اختلاف الناس في الأدوية المستخدمة لعلاج همومهم وأحزانهم

منذ 2020-09-07

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه من علِمَه، وجَهِله من جَهِله» [أخرجه أحمد].

بسم الله الرحمن الرحيم

 

لكل مرض شفاء, ولكل داءٍ دواء, فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «ما أنزل من داء إلا أنزل له شفاء» ) [متفق عليه] وإذا أصاب الدواء الداء، برأ المريض بإذن الله عز وجل،، فعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لكل داءٍ دواء، فإذا أُصيب دواء الداء، برأ بإذن الله عز وجل) [أخرجه مسلم] لكن ما كلّ أحدٍ يوفق لمعرفة طرق العلاج، وسبل الشفاء، فعن أسامة بن شريك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله لم ينزل داءً إلا أنزل له شفاءً، علِمَه من علِمَه، وجَهِله من جَهِله» )[أخرجه أحمد].

وكل من أُصيب بالهموم والأحزان سعى بكل وسيلة لطلب الشفاء منها، والناس في ذلك على أقسام: فمنهم من وفق في معرفة الأدوية الصحيحة للشفاء، ومنهم من أخطأ وضلَّ الطريق، ومنهم من خلط بينهما، قال ابن حزم رحمه الله: ليس في العالم مذ كان إلى أن يتناهي، أحد يستحسن الهمَّ ولا يريد إلا طرحه عن نفسه... ولهذا يسعى كلُّ من أُصيب بالهمِّ لرفعه عن نفسه فطرد الهمِّ مذهب قد اتفقت عليه الأمم كلُّها مُذ خلق الله تعالى العالم..وقد تطلَّبتُ غرضاً يستوي الناس في استحسانه كلُّهم وفي طلبه فلم أجده إلا واحداً وهو طرد الهمِّ فلما تدبَّرتُهُ علمتُ أن الناس كلهم لم يستووا في استحسانه فقط، ولا في طلبه فقط، ولكن رأيتهم على اختلاف أهوائهم ومطالبهم..وتباين هممهم وإراداتهم لا يتحركون حركة أصلاً إلا فيما يرجون به طرد الهم ولا ينطقون بكلمة أصلاً إلا فيما يرجون به إزاحته عن أنفسهم فمن مخطئ وجهة سبيله ومن مقارب للخطأ ومن مصيب وهو الأقل من الناس

وطلب الشفاء فيما حرم الله , لا يزيد الهموم والأحزان إلا شدة, ولذا يخطئ من يطلب الخلاص من أحزانه وهمومه، في أمور محرمه، فهذه لم يجعل الله فيها الشفاء، فالله عز وجل لم يجعل الشفاء فيما حرم، فعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم)[أخرجه البخاري] وهذه الأمور المحرمة قد تكون في سماعٍ للغناء والمعازف والموسيقي، أو في نظرٍ لمواد فاسدة ضارة مما تعرضه القنوات ووسائل الإعلام، أو في قراءة لكتب وصحف ومجلات رديئة، أو في سفرٍ وسياحةٍ أوفي ذهابٍ لأماكن فيها تبرج وسفور واختلاط بين النساء والرجال، أو في ارتكابٍ للفواحش أوفي شربٍ للمسكرات أوفي تعاطي للمخدرات، ومن فعل ذلك فقد أهان نفسه وآلمها كلّ الألم من حيث أراد شفاءها، فالشيطان يوسوس للإنسان أن آلامه خفت قليلاً، وهي في الحقيقة تزيد وهو لا يشعر بذلك، فيعاود الكرة مرة أخرى لإزالة تلك الآلام بتلك الأمور فتعود أشدّ ما كنت، وهكذا.

قال ابن القيم رحمه الله: الهم.والحزن.والغم..هذه المكروهات.قد تنوع الناس في طرق أوديتها والخلاص منها وتباينت طرقهم في ذلك تبايناً لا يحصيه إلا الله بل كل أحد يسعى في التخلص منها بما يظن أو يتوهم أنه يخلصه منها، وأكثر الطرق والأدوية التي يستعملها الناس في الخلاص منها لا يزيدها إلا شدة، كمن يتداوى منها بالمعاصي على اختلافها من أكبر كبائرها إلى أصغرها وكمن يتداوى منها باللغو واللعب والغناء وسماع الأصوات المُطربة وغير ذلك وكلهم قد أخطأ الطريق

والأدوية الإيمانية لها تأثير عجيب في الشفاء, قال ابن تيمية : البر والتقوى يبسط النفس ويشرح الصدر بحيث يجد الإنسان في نفسه اتساعاً وبسطاً عما كان عليه قبل ذلك، فإنه لما اتسع بالبر والتقوى والإحسان بسطه الله وشرح صدره.

وقال العلامة ابن القيم رحمه الله: ها هنا من الأدوية التي تشفى من الأمراض ما لم يهتد إليها عقول أكابر الأطباء، ولم تصل إليها علومهم وتجاربهم وأقيستهم، من الأدوية القلبية، والروحانية، وقوة القلب، واعتماده على الله، والتوكل عليه، والالتجاء إليه، والانطراح والانكسار بين يديه، والتذلل له، والصدقة، والدعاء، والتوبة، والاستغفار، والإحسان إلى الخلق، وإغاثة الملهوف، والتفريج عن المكروب، فإن هذه الأدوية قد جربتها الأمم على اختلاف أديانها ومللها، فوجدوا لها من التأثير في الشفاء، ما لم يصل إليه علم أعلم الأطباء، ولا تجربته، ولا قياسه، وقد جربنا نحن، وغيرنا من هذا أموراً كثيرة، ورأيناها تفعل ما لا تفعل الأدوية الحسية، وقال: ومن أعظم علاجات المرض فعل الخير والإحسان والذكر والدعاء والتضرع والابتهال إلى الله والتوبة، ولهذه الأمور تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية.

وقال الإمام ابن حزم رحمه الله:بحثتُ عن سبيلٍ موصلة على الحقيقة إلى طرد الهمِّ الذي هو المطلب النفيس الذي اتفق جميع أنواع الناس..فلم أجدها إلا في التوجه على الله عز وجل بالعمل للآخرة..ووجدت العمل للآخرة. موصلاً على طرد الهم على الحقيقة, وقال العلامة ابن عثيمين: وأحياناً يكون الدواء بالدعاء أنجع بكثير من الدواء الحسي المادي

وعن عطاء قال: قال لي ابن عباس رضي الله عنه ألا أُريك امرأة من أهل الجنة؟ قلتُ: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إني أُصرعُ وإني أتكشف، فادعُ الله لي، فقال: ( إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يُعافيك ) فقالت: أصبرُ فقالت: إني أتكشف، فادعُ الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها. [أخرجه البخاري]

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك... أعظم من تأثير الأدوية البدنية.

والشفاء من الهموم والأحزان في الأدوية الإيمانية، لكن لا ينتفعُ بها إلا من تلقاها بالقبول، فهي لا تُناسب إلا الأنفس الطيبة... فعدم انتفاع البعض بها، ليس قصور في الدواء، ولكن لفساد النفس، وعدم قبولها، فمن لم يجزم بفائدتها فلن ينتفع بها، قال العلامة ابن القيم رحمه الله: واعتبر.. بأعظم الأدوية والأشفية وأنفعها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد والدنيا والآخرة وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضاً إلى مرضها، وليس لشفاء القلوب دواء أنفع من القرآن".

كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 

  • 1
  • 0
  • 375

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً