هكذا سادوا

منذ 2020-10-24

إن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو آجل، إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحق الذي حُجِبت عنه دهرًا، مسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، وحرمتها الجاهلية منه،

يروي لنا البخاري في صحيحه عن خباب بن الأرت رضي الله عنه - وهو من المؤمنين الضعفاء المعذبين الذين كلوا تحت مختلف صنوف العذاب - كان قد سبي في الجاهلية، فاشترته (أم أنمار)، وكان حدَّادًا، وكان النبي يألفه قبل النبوة، فلما شرفه الله بها أسلم خباب، فكانت مولاته تعذبه بالنار، فتأتي بالحديدة المحماة، فتجعلها على ظهره ليكفر، فلا يزيده إلا إيمانًا.

 

يقول خبَّاب: "أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو متوسد برده في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدةً شديدةً، فقلت: يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟! فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: إن من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمَّنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضر موت لا يخاف إلا الله عز وجل والذئب على غنمه".

 

ماذا عسى يفعل محمد صلى الله عليه وسلم لأولئك البائسين؟! إنه لا يستطيع أن يبسط حمايته على أحد منهم؛ لأنه لا يملك من القوة ما يدفع به عن نفسه، وقد كان في صلاته يرمى عليه - وهو ساجد - بكرش الجزور أو رحم الشاة المذبوحة، وكانت الأنجاس تلقى أمام بيته، فلا يملك إلا الصبر.

 

إن محمدًا صلوات الله وسلامه عليه لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو آجل، إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحق الذي حُجِبت عنه دهرًا، مسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، وحرمتها الجاهلية منه، إنه وصل البشر بربهم، فربطهم بنسبهم العريق، وسببهم الوثيق، وكانوا من قبل حيارى محسورين، إنه وازن للناس بين الخلود والفناء، فآثروا الدار الآخرة على الدار الزائلة، وخيَّرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم، فازدروا الأوثان المنحوتة، وتوجهوا للذي فطر السموات والأرض.

 

حسب محمد صلى الله عليه وسلم أن قدَّم هذا الخير الجزيل، وحسب أصحابه أن ساقته العناية لهم، فإذا أوذوا فليحتسبوا، وإذا حاربهم عبيد الرجس من الأوثان، فليلزموا ما عرفوا، والحرب القائمة بين الكفران والإيمان سينجلي غبارها يومًا ما، ثم تنكشف عن شهداء وعن هَلْكَى، وعن مؤمنين قائمين بأمر الله ومشركين مدحورين بإذن الله.

 

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبث عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم ما أفاضه الله على فؤاده؛ من أمل رحيب في انتصار الإسلام، وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفرة في المشارق والمغارب، وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم، كان الأسود بن المطلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام يتغامزون بهم، ويقولون: قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدًا على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفرون ويصفقون!)[1].

 

ولا ينسى التاريخ أبدًا كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يتحملون الشدائد والأذى، والجوع والعطش، إظهارًا للدين المتين، وكيف هانت عليهم نفوسهم في الله لإعلاء كلمته؛ عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت علي ثلاثون من بين يوم وليلة، وما لي ولبلال ما يأكله ذو كبد- (أي إنسان أو حيوان) - إلا ما يواري إبط بلال» "؛ أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: (حديث حسن صحيح).

 

أخرج الإمام أحمد ابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد رضي الله عنهم، فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنعه الله بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد آتاهم على ما أرادوا إلا بلالًا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الوِلْدَان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد، أحد؛ كذا في البداية، نقلاً عن حياة الصحابة.

 

وبمناسبة هذه السمة التي تُميز الرجولة الإسلامية، وهي تلك الرفعة والعزة التي يرتقي إليها الرجل المسلم، فيصير بطلاً تهابه الجبال الشم.

 

بهذه المناسبة يعرض لنا التاريخ قصة نوع جديد وفريد من الرجولة والبطولة، ولنترك التاريخ يحكي منبهرًا مثلنا تمامًا، فيقول: (كان عبدالله بن حذافة بالشام، فكتب عمر بن الخطاب إلى معاوية بن أبي سفيان أن اغزُ الروم، وولَّى عليهم عبدالله بن حذافة السهمي، فخرج عبدالله بن حذافة على الناس، فقيل له - (أي لقائد الروم هرقل) - في طريق الروم: إن في ناحية كذا وكذا رجلاً من أصحاب هذا الرجل؛ يعني: رجلاً من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وهو عبدالله بن حذافة رضي الله عنه فيهم.

 

فحملت الروم على طائفة من المسلمين، فاقتطعوهم - (أي أخذوهم أسرى) - ومنهم عبدالله بن حذافة السهمي، قال: فلما دخل الروم على هرقل، قالوا له: إن هذا الرجل من قريش يعنون عبدالله بن حذافة، وهو ابن عم محمد، فدفعه إلى رجل، فقال: أجعه، فأجاعه الرجل، فكان يأتيه في كل يوم بلحم خنزير، فيضعه بين يديه، فيعرض عنه عبدالله بن حذافة، وقال رضي الله عنه: هذا طعام لا يحل لنا أكله، قال: فدخل الرجل على هرقل، فقال له: أتيته بلحم خنزير وخمر فأعرض عنه، وقال: هذا طعام لا يحل لنا أكله، فإن كان لك في الرجل حاجة، فأطعمه.. قال هرقل: فاذهب فأطعمه شيئًا، فذهب فأتاه بطعام فأكله، فلما أخبر هرقل بذلك، قال قد بلوته بالضراء، فابتليه بالسراء، فأتاه بالجواري وبألطاف وملاهٍ، فلم يلتفت عبدالله بن حذافة إلى شيء من ذلك، فأتاه الرجل فأخبره بذلك، فقال للجواري: ما كان منه إليكن حركة، فقلن: لا والله ما التفت إلينا..، فأرسل إليه هرقل فأتاه، فقال له هرقل: قد بلوتك بالسراء والضراء، فصبرت، فهل لك أن تقبل رأسي وتنجو بنفسك، قال الرجل الأبي البطل: لا، قال هرقل: فهل لك أن تقبل رأسي، وأدفع لك كل أسير من المسلمين عندي؟ قال: نعم.

 

فقبَّل رأسَه عبدالله بن حذافة، فدفع إليه كل أسير عنده من المسلمين، فقدم على عمر، فسعى به ساع إلى عمر، وقال: إن هرقل قد بعث إليك معه مالاً، فخزنه عنك، فدعاه عمر، فقال: أين المال الذي بعث معك إلينا؟ قال: يا أمير المؤمنين، ما بعث إليك هرقل شيئًا، فكتب عمر إلى معاوية أن استخرج لي خبره، وافحص عن أمره، فاستخرج معاوية خبر عبدالله بن حذافة وكتب به إلى عمر، فلما قرأ عمر كتاب معاوية، قام إلى عبدالله بن حذافة، فقبَّل رأسه، ثم قال له عمر: يرحمك الله، ما منعك إذ بلغ بك الجهد ما بلغ أن تأكل لحم الخنزير؟ فقال له عبدالله بن حذافة: والله يا أمير المؤمنين، لقد علمت أن ذلك موسوعًا لي، ولكني كرهت أن يشمت بالإسلام وأهله!)[2].

 

وجاء في أسد الغابة عن ابن عباس، قال: "أسرت الروم عبدالله بن حذافة السهمي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له الطاغية: تنصَّر وإلا ألقيتك في القدر - والقدر: آنية كبيرة من نُحاس - قال: ما أفعل، فدعا بالقدر النحاس، فملئت زيتًا وأغليت، ودعا برجل من أسرى المسلمين، فعرض عليه النصرانية، فأبى، فألقاه في البقرة، فإذا عظامه تلوح، وقال لعبدالله: تنصَّر وإلا ألقيتك، قال: ما أفعل، فأمر به أن يلقى في البقرة، فبكى، فقالوا: قد جزع، قد بكى، قال: ردوه، قال: لا ترى أني بكيت جزعًا مما تريد أن تصنع بي، ولكني بكيت حيث ليس لي إلا نفس واحدة يفعل بها هذا في الله، كنت أحب أن يكون لي من الأنفس عدد كل شعرة في، ثم تُسلَّط علي، فتفعل بي هذا، قال: فأعجب منه وأحب أن يُطلقه، فقال: قبِّل رأسي وأُطلقك، قال: ما أفعل، قال: تنصر وأزوجك بنتي، وأُقاسمك ملكي، قال: ما أفعل، قال: قبِّل رأسي وأطلقك وأطلق معك ثمانين من المسلمين، قال: أما هذه، فنعم، فقبَّل رأسه، وأطلقه، وأطلق مع ثمانين من المسلمين، فلما قدِموا على عمر بن الخطاب، قام إليه عمر، فقبَّل رأسه، قال: فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمازحون عبدالله، فيقولون: قبلت رأس علج، فيقول لهم: أطلق الله بتلك القبلة ثمانين من المسلمين"[3].

 

و جاء في سير أعلام النبلاء[4]: (قدم بالأسارى على عمر، فأخبره خبره، فقال عمر: حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة وأنا أبدأ، فقبَّل رأسه...، وقد روى ابن عائذ قصة ابن حذافة فقال: حدثنا الوليد بن محمد أن ابن حذافة أُسِر، فذكر القصة مطولةً وفيها: أطلق له ثلاث مائة أسير، وأجازه بثلاثين ألف دينار، وثلاثين وصيفةً وثلاثين وصيفًا، ولعل هذا الملك قد أسلم سرًّا، ويدل على ذلك مبالغته في إكرام ابن حذافة"؛ ا. هـ، ولا تعليق[5].

 

فانظر رحمك الله كيف أن الرجال الذين رباهم محمد صلى الله عليه وسلم في مدرسته، تعلموا وعلموا الدنيا كلها الثبات على الإيمان وتحمُّل الشدائد، من أجل إعلاء كلمة النور والحق والتوحيد والحرية، إنها أسمى الدروس في مدرسة الرسول: دينك دينك، لحمك ودمك!

 


[1] فقه السيرة للغزالي (ص: 112).

[2] المحن؛ للإفريقي، أبي العرب (م: 333هـ)، دار العلوم - الرياض، ط 1، 1984م، 1/ 395) وذكرها مع زيادات أبو نعيم في معرفة الصحابة 3/ 1615.

[3] أسد الغابة؛ لابن الأثير 3/ 213، ط العلمية.

[4]سير أعلام النبلاء للذهبي ( 3/ 348ط دار الحديث، مصر)

[5] جاء في البداية والنهاية لابن كثير 7/ 247 دار إحياء التراث العربي: (عبدالله بن حذافة بن قيس القرشي السهمي، هاجر هو وأخوه قيس إلى الحبشة، وكان من سادات الصحابة، وهو القائل: يا رسول الله، من أبي؟ - وكان إذا لاحى الرجال دُعِي لغير أبيه - فقال: أبوك حذافة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسله إلى كسرى، فدفع كتابه إلى عظيم بصرى، فبعث معه من يوصله إلى هرقل كما تقدم، وقد أسرته الروم في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه... فقد جمع الرجل بين فضائل لم تجتمع في كثير رجال، فقد أسلم قديمًا، وصحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهاجر إلى أرض الحبشة الهجرة الثانية، قال أبو سعيد الخدري: إن عبدالله شهد بدرًا، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ابن حذافة، وهي شهادة عظيمة بطهارة نسبه في جاهلية نجسة، وأرسله رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتابه إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام، فكان في ستة حملهم الرسول أمانة الرسالة لملوك الأرض بالإسلام، وكان فيه دعابة... وله في مواقف الفروسية والبطولة الكثير... راجع لذلك كتاب فتوح الشام وموقف أسره، (ذكر غزوة مرج القبائل داخل الدروب) المجلد الثاني، فأين نحن من معرفة أبطالنا؟! والكلمات مهما كثُرت فلن تعبِّر عن عُشر معشار حقوقهم علينا، اللهم احشرنا مع محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه!

___________________________
د. محمد عبدالمعطي محمد


رابط الموضوع: https://www.alukah.net/sharia/0/99866/#ixzz6biHZrkh8

  • 1
  • 1
  • 1,040

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً