الهلاك بالصيحة

منذ 2020-12-13

كيف علم هذا النبي الأمي بأن الصوت يمكن أن يدمر أي شيء ويفتت الأشياء ويحولها إلى غثاء وإلى هشيم، وأن الصوت يمكن أن يحرق أي شيء؟

النص الشريف: {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}  [سورة هود] .

الدلالة اللغوية : الصيحة: الصوت المرتفع الشديد. يقال: صاح فلان إذا رفع صوته بقوة. وأصل ذلك تشقيق الصوت، من قولهم: انصاح الخشب والثوب، إذا انشق فسمع له صوت. وجاثِمِينَ: من الجثوم وهو للناس وللطير بمنزلة البروك للإبل. يقال: جثم الطائر يجثم جثما وجثوما فهو جاثم إذا وقع على صدره، ولزم مكانه فلم يبرحه

([1]).

أقوال المفسرين: قال شيخ المفسرين بن جرير الطبرى: قد جثمتهم المنايا، وتركتهم خمودًا بأفنيتهم. وقال القرطبى: وقيل : صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة ; وصوت كل شيء في الأرض ، فتقطعت قلوبهم وماتوا . وقال السعدى: { {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ } } العظيمة فقطعت قلوبهم، { {فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} } أي: خامدين لا حراك لهم. وقال الطاهر بن عاشور: وعبّر عن ثمود بالّذين ظلموا للإيماء بالموصول إلى علّة ترتب الحكم ، أي لظلمهم وهو ظلم الشّرك. وفيه تعريض بمشركي أهل مكّة بالتّحذير من أن يصيبهم مثل ما أصاب أولئك لأنّهم ظالمون أيضاً.

والصيحة هي أشمل وأهمّ من الرجفة لذا فإنها تُصيب عدداً أكبر وتبلغ أكثر من الرجفة والمعلوم أن الصوت يمتد أكثر من الرجفة ولهذا فهي تؤثر في ديار عديدة لذا جاء استخدام كلمة (ديارهم) مع الصيحة كما في الآية 67 والآية 94 في سورة هود {وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} {وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مَّنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ}، أما الرجفة فيكون تأثيرها في مكانها فقط لذا جاء استخدام كلمة (دارهم) مع الرجفة كما في قوله في سورة الأعراف {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ}   [آية 78 و91]  {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} وكذلك في قوله تعالى {فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ} سورة العنكبوت آية 37، ولم ترد في القرآن كلمة ديارهم إلا مع العذاب بالصيحة ولم ترد كلمة (دارهم) إلا مع العذاب بالرجفة([2]).

الحقيقة العلمية: إن المجال الصوتي الذي نسمعه يتراوح بين 20 هرتز و 20000 هرتز، والترددات التي تقل عن 20 تعتبر موجات تحت صوتية infrasound ، والترددات التي تزيد على 20000 تعتبر ترددات فوق صوتية ultrasound. وتقاس قوة الصوت بواحدة قياس تدعى الدسبيل dB فعندما تصل قوة الصوت إلى 120 ديسيبل تتعرض الأذن  لآلام واضحة، وعند  140 ديسبيل تنفجر طبلة الأذن، وعند 150 ديسيبل يبدأ القفص الصدري بالاهتزاز ويتعرض الإنسان للغثيان والسعال الحاد وضيق شديد في التنفس، وعند 200 ديسيبل تنفجر الرئتين، ثم أكثر من ذلك تتأذى كل أنحاء الجسم وتنتهي باضطرابات في عمل القلب والدماغ وتكون النتيجة هي الموت. والصوت هو عبارة عن اهتزازات ميكانيكية تنتقل في الهواء على شكل موجات صوتية، وتؤثر على طبلة الأذن فتجعلها تهتز وتنقل هذه الذبذبات إلى الدماغ ليحللها ويصدر أوامره للجسم. ويؤثر الصوت على الإنسان بشكل كبير وبخاصة إذا كانت قوة الصوت عالية ويؤدي إلى اضطرابات فسيولوجية ونفسية عديدة تظهر على نظام عمل الجسم وعلى الصحة العامة([3]).والمعروف أن التعرض للضوضاء يؤدي إلى التعود  ثم إذا زاد التعرض في المدة أو الشدة حدث ضعف مؤقت في السمع([4]) فإن زاد أكثر أدى إلى ضعف مستديم في السمع. وكذلك تتأثر بقية أعضاء الجسم أيضا بالضوضاء، ولذلك يزداد معدل ضربات القلب، ويرتفع ضغط الدم، يقل النوم، تنقبض الأوعية الدموية، يزداد معدل التنفس، وتحدث تغييرات كيمائية في المخ، وتزداد مقاومة الجلد بسبب الصوت المرتفع([5]). وقد وصفت وسيلة الإهلاك بأوصاف كثيرة منها: الصيحة وهي صيحة من السماء فيها صوت كل صاعقة، وصوت كل شيء في الأرض، فتقطعت قلوبهم وماتوا بالطاغية أي بالصيحة المجاوزة لحد الصيحات من الهول([6]).  والصوت (أي الصيحة) يسبب الاهتزاز والرجفان وهذا ما عبر عنه القرآن بقوله تعالى: ( {فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ} )، وذلك لأن الصوت هو عبارة عن أمواج اهتزازية، وعندما يتعرض الإنسان لترددات صوتية عالية فوق سمعية فإن درجة حرارة جسده ترتفع ثم يبدأ بالاحتراق، بسبب موجات الضغط العالية التي تسخن الهواء من حوله. وعندما تكون الترددات عالية والصوت شديداً فإن هذا الصوت سيولد فقاعات في الجسم وجروح دقيقة ويبدأ النسيج العضلي بالتمزق ويصبح الإنسان غثاء كغثاء السيل. والصوت يؤثر ليس على الأذن فحسب بل إنه يؤثر على العظام والجلد وتجاويف الجسم، وكذلك على النظام العصبي لدى الإنسان، ويقول العلماء إن التأثيرات الحقيقية للأصوات الشديدة لا تزال مجهولة حتى الآن. والصوت القوي يسبب الصعق والحرائق وهذا ما عبر عنه القرآن بكلمة (الصاعقة) يقول تعالى: ( {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} )، لأن الترددات العالية والشديدة تجعل الهواء يتمدد بشكل مفاجئ وينضغط بشدة، وهذا يؤدي إلى رفع درجة حرارة الهواء إلى آلاف الدرجات المئوية، فيكون الصوت مترافقاً بالحرارة العالية وهذه هي الصاعقة. إن الأصوات القوية (أكثر من 200 ديسبل) تؤدي إلى تمزق الجلد وانفجار الأذن والرئتين، ثم إذا زادت شدة الصوت فإنه يمزق أنسجة الجسم ويفتتها إلى قطع صغيرة محروقة تشبه الهشيم الذي تخلفه حرائق الغابات، وهذا ما وصفه الله تعالى بقوله: (فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ). وكذلك فإن الصوت القوي جداً يحول الأشياء إلى ما يشبه الغثاء وهو بقايا السيل، وهذا ما وصفه القرآن بعبارة: (فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً). وكذلك عندما يتعرض الإنسان لموجات تحت صوتية فإن الجسم يصيبه بعض المشاكل الصحية التى تتمثل فى ضغط الدم والسكر([7])

أوجه الإعجاز العلمى: تحدث القرآن عن القوة التدميرية للصوت، وذلك في عذاب قبيلة ثمود، وقوم مدين ، وقوم لوط.  إذن الصوت كان سبباً في تدمير هؤلاء الطغاة، وهذا ما يقوله العلم اليوم، حيث يؤكد الباحثون في هذا المجال أن الترددات الصوتية عند قوة معينة تكون مدمرة وتفتت أي شيء تصادفه حتى الصخور! ولذلك قال تعالى عن عذاب ثمود: ( {إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ} ) [القمر: 31]. وهشيم المحتظر هو المرعى اليابس والمحترق والشوك، كما في تفسير ابن كثير. وقال أيضاً: ( {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْنَاهُمْ غُثَاءً فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} ) [المؤمنون: 41]. والغثاء كما في القاموس المحيط: هو البالي من ورق الشجر المخالط زبد السيل. والسؤال هنا لكل من يدّعي أن القرآن من تأليف محمد : كيف علم هذا النبي الأمي بأن الصوت يمكن أن يدمر أي شيء ويفتت الأشياء ويحولها إلى غثاء وإلى هشيم، وأن الصوت يمكن أن يحرق أي شيء؟ الجواب هو أن الذي علم محمداً هو الله تبارك وتعالى وهذا يدل على صدق رسالة النبى محمد ، وأن القرآن الكريم كتاب علم وهداية فبالعلم يهتدى الناس إلى رب العالمين.

 

 

[1] ) التفسير الوسيط للإمام  سيد طنطاوى

[2] ) http://www.elheddaf.com/article/detail?id=54544

[3] ) Kryter, Karl D. (1994). The handbook of hearing and the effects of noise: physiology, psychology, and public health. Boston: Academic Press. ISBN 0-12-427455-2

[4] ) Broner, N, The Effects Of Low Frequency Noise On People — A Review, Journal Of Sound And Vibration 58 (4), England, 1993.

[5] ) Passchier-Vermeer W, Passchier WF (2000). "Noise exposure and public health". Environ. Health Perspect. 108 Suppl 1: 123–31.

[6] ) د. محمد الشورى : من أبحاث المؤتمر العالمي الثامن للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بدولة الكويت 1427هـ - 2006م

[7] ) Broner, N, The Effects Of Low Frequency Noise On People — A Review, Journal Of Sound And Vibration 58 (4), England, 1993.

حنفي محمود مدبولى

- عضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي فى القرآن والسنة

  • 2
  • 0
  • 874

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً