من حكم الفرس (3)

منذ 2020-12-30

وأجاب الجمهور عن هذا وما أشبهه أن هذا كان في صدر الإسلام حين كانت المواساة واجبة، وبأنه محمول على ضيافة المضطرين

{بسم الله الرحمن الرحيم }

روى الدينوري في المجالسة وجواهر العلم، عن ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ قَالَ:

قَالَ بَعْضُ حُكَمَاءِ الْفُرْسِ:

(لِلْعَادَةِ سُلْطَانٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ)، (وَمَا اسْتُنْبِطَ الصَّوَابُ بِمِثْلِ الْمُشَاوَرَةِ)، (وَلا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ)، (وَلا اكْتُسِبَتِ الْبَغْضَاءُ بِمِثْلِ الْكِبْرِ)

 

(وَلا حُصِّنَتِ النِّعَمُ بِمِثْلِ الْمُوَاسَاةِ)

** المواساة من «الأسوة»، أصلها الهمزة، فقلبت واوا تخفيفًا. وهي المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق.

** جعلت الشريعة من الانتزاع انتزاعا مندوبا إليه غير واجب، وذلك أنواع المواساة بالصدقات والعطايا والهدايا والوصايا وإسلاف المعسر بدون مرابات، وليس في الشريعة انتزاع أعيان المملوكات من الأصول، فالانتزاع لا يعدو انتزاع الفوائد بالعدالة والمساواة.

** قال تعالى: { {فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} } [الروم:38]

فجماع حق هؤلاء الثلاثة المواساة بالمال، فدل على أن ذلك واجب لهم. وكان هذا في صدر الإسلام ثم نسخ بفرض الزكاة، ثم إن لكل صنف من هؤلاء الثلاثة حقا؛ فحق ذي القربى يختلف بحسب حاجته؛ فللغني حقه في الإهداء توددا، وللمحتاج حق أقوى.

والظاهر أن المراد ذو القرابة الضعيف المال الذي لم يبلغ به ضعفه مبلغ المسكنة بقرينة التعبير عنه بالحق، وبقرينة مقابلته بقوله: { {لِترْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ} } [الروم: 39] على أحد الاحتمالات في تفسيره.

وأما إعطاء القريب الغني فلعله غير مراد هنا وليس مما يشمله لفظ { {حَقَّهُ} } وإنما يدخل في حسن المعاملة المرغب فيها.

وحق المسكين: سد خلته.

وحق ابن السبيل: الضيافة كما في الحديث (جائزته يوم وليلة) والمقصود إبطال عادة أهل الجاهلية إذ كانوا يؤثرون البعيد على القريب في الإهداء والإيصاء حبا للمدحة، ويؤثرون بعطاياهم السادة وأهل السمعة تقربا إليهم، فأمر المسلمون أن يتجنبوا ذلك.

** قال صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدقت وَوَاسَانِى بنفسه وماله فهل أنتم تَاركو لي صاحبي» ) [البخاري عن أبى الدَّرْدَاءِ]

** خرَّج مسلمٌ وأبو داود عن أبي سعيدٍ الخدري، قال: بَيْنَمَا نَحْنُ فِي سَفَرٍ، مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- إِذْ جَاءَ رَجُلٌ على راحِلَةٍ، فَجَعَلَ يَصْرِفُ بَصَرَهُ يَمِيناً وَشَمَالاً، فَقَالَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-:  «من كَانَ مَعَهُ فَضْلُ ظَهْرٍ، فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ ظَهْرَ لَهُ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ فَضْلُ زَادٍ فَلْيَعُدْ بِهِ على مَنْ لاَ زَادَ لَهُ» ، قَالَ: فَذَكَرَ مِنْ أَصْنَافِ المَالِ مَا ذَكَرَ؛ حتى رُئِينَا أنَّهُ لاَ حَقَّ لأَحَدَ مِنَّا فِي فَضْلٍ.

** عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ( «إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية فهم مني وأنا منهم» ) [النسائي]

** عن أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: ( «طَعَامُ الاثْنَيْنِ كَافِي الثَّلاثَةِ، وَطَعَامُ الثَّلاَثَةِ كَافِي الأَرْبَعَةِ» ) [البخاري]

** قال تعالى: { {وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُل لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} }, الآية: [28].

وهو تأديب عجيب، وقول لطيف بديع، فإنه تعالى قال: { {وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا} }: أي لا تعرض عنهم إعراض مستهين عن ظهر الغنى والقدرة فتحرمهم, وإنما يجوز له أن يعرض عنهم عند عجز يعرض, وعند عائق يعرض, وأنت عند ذلك ترجو من الله فتح باب الخير لتتوصل به إلى مواساة السائل, فإن قعد بك الحال عن المواساة { {فَقُل لَهُمْ قَوْلاً مَيْسُوراً} }، يعمل في مسرة نفسه عمل المواساة فتقول: الله يرزق، والله يفتح بالخير.

قال الحسن: حقه المواساةُ في اليُسْر، وقولٌ مَيْسُورٌ في العُسْرِ.

** قال تعالى: { {فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} } [الكهف:77] أبوا أن يضيفوهما وذلك لؤم، لأن الضيافة كانت شائعة في الأمم من عهد إبراهيم عليه السلام، وهي من المواساة المتبعة عند الناس، ويقوم بها من ينتدب إليها ممن يمر عليهم عابر السبيل ويسألهم الضيافة، أو من أعد نفسه لذلك من كرام القبيلة، فإباية أهل قرية كلهم من الإضافة لؤم لتلك القرية.

وفي الآية مشروعية ضيافة عابر السبيل إذا نزل بأحد من الحي أو القرية.

فعن أبي شريح الكعبي أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته يوم وليلة [أي منيحته وعطيته وإتحافه بأفضل ما يقدر عليه يوم وليلة] والضيافة ثلاثة أيام [يعني من غير تكلف كالتكلف الذي في اليوم الأول] فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل له [أي الضيف] أن يثوي عنده حتى يحرجه [أي يقيم عند من أضافه حتى يحرجه أي يوقعه في الحرج والضيق].

واختلف الفقهاء في وجوبها فقال الجمهور: الضيافة من مكارم الأخلاق وهي مستحبة وليست واجبة. وهو قول مالك وأبي حنيفة والشافعي وحمد بن عبد الحكم من المالكية: الضيافة حق على أهل الحضر والبوادي.

لأن الضيافة من مكارم الأخلاق لا واجبة لقوله (جائزته) والجائزة تفضل وإحسان

وقال الليث وأحمد: الضيافة فرض يوما وليلة عملا بالحديث.

وأجاب الجمهور عن هذا وما أشبهه أن هذا كان في صدر الإسلام حين كانت المواساة واجبة، وبأنه محمول على ضيافة المضطرين

** أخي الكريم: من طلب الفضائل لم يساير إلا أهلها، ولم يرافق في تلك الطريق إلا أكرم صديق من أهل المواساة، والبر، والصدق، وكرم العشيرة، والصبر، والوفاء، والأمانة، والحلم، وصفاء الضمائر، وصحة المودة.

 

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

[email protected]

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز

  • 3
  • 1
  • 350

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً