البلاءُ مُوكَّل بِالمنطِقِ

منذ 2021-03-31

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: من فوائد الآية الكريمة: أن فيها دليل على ما قيل: ( إن البلاء مُوكل بالمنطق ), والتفاؤل كلام, فامرأة فرعون قالت: ( قرت عين لي ولك ) فتفاءلت به خيراً, فحصل لها ذلك

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فاللسان جارحة صغيرة في الإنسان, شأنها عظيم في الهدم والبيان, ينبغي لكل مسلم محاسبة نفسه  على كل كلمة يقولها لئلا يضرَّ نفسه, أو يحرمها الخير من جراء كلمة يقولها, فالبلاء موكل بالمنطق, وهذه بعض الأحداث, التي تبين أن " البلاء موكل بالمنطق ", أسأل الله الكريم أن ينفعني وجميع إخواني المسلمين بها:

* قال الله عز وجل:  {وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن  ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون}  [القصص:9] فعن ابن عباس رضي الله عنهما, إن مرأة فرعون...اتت بموسى علية الصلاة والسلام فرعون, فقالت: " قرة عين لي ولك " قال فرعون: يكون لك, فأما لي فلا حاجة لي في ذلك " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( «والذي أحلف به لو أقرَّ فرعون بأن يكون له قرة أعين كما أقرت امرأته لهداه الله به كما هدى امرأته ولكن حرمه ذلك» ) [أخرجه أبو يعلى] فكلمة واحدة من فرعون حُرم بسببها من الهداية إلى الإسلام, نسأل الله السلامة, وامرأته لما قالت: ( عسى أن ينفعنا ) انتفعت بذلك, قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: حصل لها ذلك, وهداها الله به, وأسكنها الجنة بسببه.

قال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: من فوائد الآية الكريمة: أن فيها دليل على ما قيل: ( إن البلاء مُوكل بالمنطق ), والتفاؤل كلام, فامرأة فرعون قالت: ( قرت عين لي ولك ) فتفاءلت به خيراً, فحصل لها ذلك, وصار قُرةَ عينٍ.  

* عن أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما, أن ابنة الجون لما أُدخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم, ودنا منها, قالت: أعوذُ بالله منك, فقال لها: «لقد عُذت بعظيم, الحقي بأهلك» [أخرجه البخاري] قال العلامة محمد بن صالح العثيمين رحمه الله: هذه المرأة لم يُقدِّر الله لها ما هو خير, فإنها لو بقيت من زوجات الرسول صلى الله عليه وسلم لكانت معه في الجنة, لكن فضل الله يؤتيه من يشاء...فالإنسان قد يحرم الخير-والعياذ بالله- بمقالةٍ يقولها.

* وعن ابن عباس رضي الله عنهما, «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على أعرابي يعوده, وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل على مريض يعوده قال له : ( لا بأس طهور إن شاء الله تعالى ) فقال له:  (لا باس طهور إن شاء الله تعالى) قال: قلت طهور ؟ كلا, بل حمى تفور على شيخ كبير, تُزيرُهُ القبور, فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فنعم إذاً )» [أخرجه البخاري] قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: (فنعم إذا) الفاء فيه معقبه لمحذوف تقديره: إذا أبيت فنعم, أي كان  كما ظننت.

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فنعم إذاً ) أي: لك ما قلت, وليس هذا بدعاء, لأني لا أظنُّ الرسول علية الصلاة والسلام يدعو عليه بالموت, لكن لمَّا كان هذا الرجل غير مُتفائل جعل له الرسول علية الصلاة والسلام ما أراد. ولهذا ينبغي للإنسان ألا يُطلق لسانه في الأمور التي يُتشاءم منها, كما قال الشاعر:

احذر لسانك أن تقول فتُتبتلي        إن البـــــــــــــلاءَ مُوكَّل بالمنـــــــــــــطق

يعني: لا تقل شيئاً تتشاءم به, فإن البلاء مُوكل بالمنطق, وقد رُوي في هذا حديث ضعيف: ( البلاءُ مُوكَّل بالمنطق )."

*  وفي قصة مقتل كعب بن الأشراف, الذي حالف اليهود, وصار منهم, أنه كان شاعراً يقول القصائد في أذية الله عز وجل, ورسوله علية الصلاة والسلام, وفي التشبيب في نساء المؤمنين, فلما بلغ أذاه هذا المبلغ, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لكعب بن الأشرف ؟ فإنه قد آذى الله ورسوله ) فانتدب ابن أخت كعب, وهو محمد بن سلمة رضي الله عنه لذلك, وقال للرسول: فأذن لي أن أقول شيئاً, كأنه طلب من الرسول علية الصلاة أن يقول لكعب كلاماً يُعرض فيه بسبِّ الرسول صلى الله عليه وسلم, لأجل أن يطمئن كعب, فقال له الرسول عليه الصلاة والسلام: (قل) فجاء محمد رضي الله إلى كعب, وقال له: قد أتيتك أستلفك, فطلب كعب رهانة لذلك السلف, فقال له ابن سلمة رضي الله: وأي شيءٍ تريد ؟ فقال كعب: ارهنوني نساءكم, قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب؟! قال: فارهنوني أبناءكم, قال: كيف نرهنك أبناءنا, هذا عار علينا, ولكنا نرهنك السلاح, فوافق كعب, فجاء ابن سلمة ليلاً ومعه أبو نائلة_ وهو أخو كعب من الرضاعة, فنزل إليهم, فقالت له امراته: أين تخرج هذه الساعة ؟ فقال: إنما هو محمد بن سلمة وأخي أبو نائلة, فقالت امرأته: أسمع صوتاً كأنه يقطر دماً, فقال كعب: إنما هو أخي محمد بن سلمة ورضيعي أبو نائلة, إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب, ثم إنه نزل إليهما فطعناه, فقتل.

قال العلامة محمد بن صالح العثيمين, رحمه الله: انظر أيضاً كيف البلاء مُوكل بالمنطق! فإنه قال: "إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب " وطابق تماماً, فقد دُعي إلى طعنةٍ, وأجاب باختياره حتى طُعن, فتأمل كيف عبَّر بهذا التعبير الذي كان مطابقاً للواقع.

قال الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن ناصر الدهش: قال هذه الكلمة التي أصبحت مثلاً: " إن الكريم لو دعي إلى طعنة بليل لأجاب " أي أن الكريم لشدة كرمه لو دعاه إنسان ليلاً ليطعنه ما تأخر, لأنه لو تأخر فسيعتبر بخيلاً, فيجيب هذه الطعنة حتى يبقى على كرمه, والبلاء موكل بالمنطق, فإنه لما قال هذه الكلمة دُعي بالفعل إلى طعنة.    

* وعن ابن عباس رضي الله عنهما, قال: ذُكِرَ المُتلاعنان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال عاصم بن عدي في ذلك قولاً, ثم انصرف, فأتاه رجل من قومه, فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلاً, فقال عاصم: ما ابتليت بهذا الأمر إلا لقولي....الحديث متفق عليه. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: قوله: ( إلا بقولي ) أي بسؤالي عما لم يقع, كأنه قال فعوقبت بوقوع ذلك في آل بيتي...وقد وقع في مرسل مقاتل بن حيان عند ابن أبي حاتم" فقال عاصم: إنا لله وإنا إليه راجعون, هذا والله بسؤالي عن هذا الأمر بين الناس, فابتليت به."

وقال العلامة ابن عثيمين رحمه الله: وقول عاصم رضي الله عنه: " ما ابتُليتُ بهذا الأمر إلا لقولي " لهذا يقال: البلاء موكل بالمنطق.

* ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله في "تاريخ بغداد " أنه اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد, فحضرت صلاة يجهر فيها, فقدموا الكسائي يصلي فأرتج عليه في قوله: {قل يا أيها الكافرون } [الكافرون:1] فلما أن سلم, قال اليزيدي: قارئ أهل الكوفة يرتج عليه في {قل يا أيها الكافرون} ؟ فحضرت صلاة يجهر فيها, فقدموا اليزيدي فأرتج عليه في سورة الحمد, فلما أن سلم قال:

احفظ لسانك لا تقول فتبتلى        إن البــــــــلاء مــــــوكل بالمـــــــنطق

* قال محمد بن سيرين: عيّرت رجلاً بشيء منذ ثلاثين سنة أحسبني عوقبت به, وكانوا يرون أنه عيّر رجلاً بالفقر فابتلي به.

* ذكر الحافظ الذهبي رحمه الله في كتابه: سير أعلام النبلاء " أن الوزير ابن الزيات, قال: ما رحمت أحدًا قط، الرحمة خور في الطبع، ثم إن الحال تغير, فسجن في قفص جهاته بمسامير كالمسال، فكان يصيح: ارحموني، فيقولون: الرحمة خور في الطبع.

فلنجاهد أنفسنا فيما نقول, فكم من كلمةٍ جلبت بلاء لصاحبها, وندم عليها كثيراً, ولنكثر من هذه الأدعية التي وردت عن رسول الله علية الصلاة والسلام:

اللهم اجعل في قلبي نوراً, وفي لساني نوراً.....الحديث

اللهم إني أعوذ بك من شر لساني......الحديث

اللهم اهدِ قلبي وسدد لساني....الحديث.

      كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  • 4
  • 0
  • 372

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً