عاشوراء: تأريخه وفضله وأحكامه العقدية والفقهية

منذ 2021-08-15

مَن اتخذت عاشوراء يومَ عيدٍ ومَن اتخذته يومَ مأْتَمٍ: (والطائفتانِ مُبتَدِعَتَانِ خَارِجَتَانِ على السُّنَّةِ، وأهلُ السُّنَّةِ يَفعلونَ فيهِ ما أمَرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الصَّوْمِ، ويَجتنبون ما أمَرَ به الشَّيْطانُ مِنَ البِدَع)

أيها الناسُ اتقوا الله تعالى، وعَظِّمُوا ما عظَّمَهُ اللهُ مِنَ الأشهرِ الْمُحرَّمةِ التي مِن أفضلها شهرُكم هذا، فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُما (أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قَدِمَ المدينةَ فوَجَدَ اليهُودَ صِيامًا يومَ عاشُوراءَ، فقالَ لهم رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «ما هذا اليومُ الذي تَصُومُونَهُ»؟ فقالُوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجَى اللهُ فيهِ مُوسَى وقَوْمَهُ، وغَرَّقَ فِرعونَ وقَوْمَهُ، فصامَهُ مُوسَى شُكْرًا، فنَحْنُ نَصُومُهُ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فَنَحْنُ أحَقُّ وأوْلَى بمُوسَى منكُمْ»، فصامَهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وأَمَرَ بصِيامِهِ)؛ (رواه البخاري ومسلم واللفظ لمسلم).

 

وذلك أنَّ موسى عليه السلام خَرَجَ مِن مِصرَ ببني إسرائيلَ فِرارًا مِن فرعونَ، فأتبَعَهُ فرعونُ بجنُودِه، {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [الشعراء: 61 - 63]، وأيبَسَ اللهُ أرضَهُ فسلَكُه موسى وقومَهُ في أمانٍ، وتبِعَهُم فرعونُ وجُنودُه بالبغي والظُّلم والعُدوان، فلما استكْمَلَ موسى وقومُه خارجين، واستتمَّ فرعونُ وجنودُه داخلين، أمرَ اللهُ البحرَ أنْ يلتئمَ عليهمْ ويَنطبِق، فذَهَبَتْ أبدانُهُمْ إلى الغَرَقِ، وأرواحُهُم إلى النَّارِ والحَرَق، {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آَلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ}، وهذه سُنَّةُ اللهِ فيمَنْ طَغَى وبَغَى وفَسَق، ألا فاحذرُوا المعاصي فإنها مُوجباتٌ للهلاكِ والْمَحْقِ، وعُقُوباتُها في الآخرةِ أعظَمُ وأَشَقُّ.

 

أيها المسلمون: وقد كان صلى الله عليه وسلم يصوم عاشوراء قبل الهجرة، فعن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها قالت: (كانتْ قُرَيْشٌ تَصُومُ عاشُوراءَ في الجاهليَّةِ، وكانَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَصُومُهُ، فلَمَّا هاجَرَ إلى المدينةِ صامَهُ وأَمَرَ بصيامِهِ، فلَمَّا فُرِضَ شهرُ رمَضَانَ قالَ: «مَن شاءَ صامَهُ ومَنْ شاءَ تَركَهُ»  (رواه مسلم).

 

فعُلِمَ مما تقدَّم: أن السُّنةَ الوارِدَةَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في يوم عاشوراء: الصِّيامُ فقط، قال الإمام ابن تيمية: (إنَّ عاشُوراءَ لَمْ يُشْرَعْ فيهِ غيرُ الصَّوْمِ باتفاقِ عُلَماءِ المسلمين) انتهى.

 

ومع وُضوحِ هذه السُّنة، فإن بعض الناس قد وقعوا في إحداث بدعٍ في يوم عاشوراء، فمنها:

اتخاذُهُ عيدًا: فَيُوسِّعون فيهِ على أهليهم، ويَتَزَيَّنُون فيه، وما عَلِمُوا أنهم بذلك يَتَشبَّهون باليهود: فعن أبي مُوسى رضيَ اللهُ عنهُ قالَ: (كانَ أهلُ خَيْبَرَ يَصُومُونَ يومَ عاشُوراءَ، يَتَّخِذُونَهُ عيدًا، ويُلْبِسُونَ نساءَهُم فيهِ حُلِيَّهُمْ وشَارَتَهُمْ، فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فصُومُوهُ أنتُم»؛ (رواه مسلم)، ومعنى (شارَتهم) أي: اللباس الجميل.

 

قال ابن رجب: (وهذا يدلُّ على النهي عن اتخاذه عيدًا، وعلى استحباب صيام أعياد المشركين، فإن الصوم يُنافي اتخاذَهُ عيدًا) انتهى.

 

ومن البدع: تخصيصُ ليلةِ عاشوراءَ بصلاةِ القيام، أو الاختضاب، ويَوْمَهُ بالاغتسالِ والاكتحالِ والتطيُّبِ، وزيارةِ المقابرِ، والصَّدَقَةِ، وإخراج الزكاةِ فيه، وقراءةُ آياتٍ في قصة موسى في صلاة الفجر يوم عاشوراء، ونَعْيُ الْحُسينِ رضي الله عنه على المنابر يوم الجمعة، قال الإمام ابن تيمية: (فهذا من البدَعِ المُنكرَةِ التي لَمْ يَسُنُّها رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ولا خُلَفَاؤُهُ الرَّاشدُونَ ولا استحبَّها أحَدٌ من أئِمَّةِ المُسلمينَ) انتهى.

 

ومن البدع: جَعْلُ يومِ عاشوراءَ يومَ مَأْتَمٍ وضَرْبٍ للوُجُوهِ وسَبٍّ ولَعْنٍ لأفَاضِلِ الصَّحَابةِ رضيَ الله عنهم، قال الإمام ابن القيم رحمه الله عن تلك الطائفتين (مَن اتخذت عاشوراء يومَ عيدٍ ومَن اتخذته يومَ مأْتَمٍ: (والطائفتانِ مُبتَدِعَتَانِ خَارِجَتَانِ على السُّنَّةِ، وأهلُ السُّنَّةِ يَفعلونَ فيهِ ما أمَرَ به النبيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الصَّوْمِ، ويَجتنبون ما أمَرَ به الشَّيْطانُ مِنَ البِدَع) انتهى.

 

ألاَ فاحْذَرُوا رَحِمَكُمُ الله مِنَ البدعِ والْمَعَاصي، فإنها أسبابٌ تُوجبُ حُلُولَ النِّقَمِ والعُقُوباتِ، وزَوَالَ النِّعَمِ وحُلُولَ الْمُثَلاتِ؛ وفَّقَنَا اللهُ لأجملِ العوائدِ، وأعاننا يومَ لا يَجْزِي وَلَدٌ عَنْ وَالِدٍ، آمين.

 

أمَّا بعدُ: (سُئِلَ صلى الله عليه وسلم عن صَوْمِ يومِ عاشُوراءَ؟ فقالَ: «يُكَفِّرُ السَّنةَ الماضيَةَ» (رواه مسلم)، وفي رواية:  «أَحْتَسِبُ على اللهِ أنْ يُكفِّرَ السَّنةَ التي قَبْلَهُ»  (رواه مسلم).

 

بل إنَّ صيامَهُ يَعْدِلُ صِيَامَ سَنَةٍ، سُئِلَ صلى الله عليه وسلم: (أرَأَيْتَ رَجُلًا يَصُومُ يَوْمَ عَاشُورَاءَ؟ قالَ: «ذاكَ صَوْمُ سَنَةٍ» (رواه ابن حبان وصحَّحه الألباني).

 

ويُصَوِّرُ ابنُ عباسٍ رضي الله عنهما حِرصَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على صيامِهِ فيقول: (ما رأيتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَتَحَرَّى صِيامَ يومٍ فضَّلَهُ على غَيْرِهِ إلاَّ هذا اليَوْمَ، يَوْمَ عَاشُوراءَ، وهذا الشَّهْرَ، يَعْني شهرَ رمَضَانَ)؛ (رواه البخاري).

 

وكان صلى الله عليه وسلم في ابتداء هجرته للمدينة يُفرد صيام يوم عاشوراء، فلا يَصُومُ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، مُوَافَقَةً لأهلِ الكتابِ مِنَ اليهود، فعنِ ابنِ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهُمَا قالَ: (كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يُحِبُّ مُوافَقَةَ أهلِ الكِتابِ فيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فيهِ)؛ رواه البخاري.

 

ولَما أَمَرَهُ اللهُ بمخالفتهم، قالَ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابلٍ لأَصُومَنَّ التاسِعَ»، وفي رِوَايةٍ: (فقالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «فإذا كانَ العامُ الْمُقْبِلُ إنْ شاءَ اللهُ صُمْنا اليومَ التاسعَ»، قالَ: فلَمْ يَأْتِ العامُ المُقبلُ حتَّى تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ)؛ (رواهُما مسلم).

 

قال ابنُ حَجَر: (وعلَى هذا فصِيَامُ عاشُوراءَ على ثلاثِ مَرَاتِبَ: أدْنَاها أنْ يُصَامَ وَحْدَهُ، وفَوْقَهُ أَنْ يُصَامَ التاسِعُ مَعَهُ، وفَوْقَهُ أنْ يُصامَ التاسعُ والحادي عشَرَ، واللهُ أعلَمُ) انتهى.

 

أيها المسلمون: ولِمَا عُرِفَ مِنْ فَضْلِ صِيَامِ يومِ عاشوراءَ فقد كانَ للسَّلَفِ حِرْصٌ كبيرٌ على صِيامِهِ، حتى كان بعضهم يَصُومُه في السفر، قال ابنُ رجبٍ: (منهم: ابنُ عبَّاسٍ وأبو إسحاق والزهري.. ونصَّ أحمدُ على أن يُصام عاشوراء في السفر) انتهى.

 

بل كانت الصحابيات رضي الله عنهن يُصوِّمنَ صِبيانَهُنَّ الصغار يوم عاشوراء، فعنِ الرُّبيِّعِ بنتِ مُعوِّذِ ابنِ عَفْراءَ رضي الله عنها قالت: (فكُنَّا بعدَ ذلكَ نَصُومُهُ، ونُصَوِّمُ صِبيانَنا الصِّغارَ منهُم إن شاءَ اللهُ، ونذهَبُ إلى المسجِدِ فنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فإذا بَكَى أحَدُهُم على الطَّعامِ أعطَينَاهَا إيَّاهُ عندَ الإفطارِ) (رواه البخاري ومسلمٌ واللفظُ لمسلم).

 

وفي روايةٍ لمسلمٍ قالت: (ونصنَعُ لهُمُ اللُّعْبَةَ منَ الْعِهْنِ، فنَذْهَبُ بِهِ مَعَنا، فإذا سَأَلُونَا الطَّعَامَ أعْطَيْنَاهُمُ اللُّعْبَةَ تُلْهِيهِمْ حتَّى يُتِمُّوا صَوْمَهُم) انتهى.

 

فتعويدُ الصغيرِ على فِعْلِ الْخَيْرِ مَكْمَنُ قُوَّةٍ في استقامَتِهِ عليهِ في الكِبَرِ، واليومَ وللهِ الحمدُ لدينا مِنَ الوَسَائلِ الْمُبَاحةِ لِتَلْهِيَةِ الصِّبْيانِ حالَ الصِّيامِ بقَدْرِ ما لدينا مِنْ أصنامِ الطَّعَامِ وأشكالهِ.

 

فصُومُوهُ رَحِمَكُمُ الله، وصَوِّموا فيه صِبْيانَكُم، فإنَّ الْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ صِيَامَهُ.

_________________________________________
الكاتب: الشيخ عبدالرحمن بن سعد الشثري

  • 5
  • 0
  • 789

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً