الوفاء بين الزوجين..

منذ 2021-08-26

أمره ربه إن عاشرها أن يعاشرها بالمعروف وإن أمسكها أن يمسكها بالمعروف وإن فارقها أن يفارقها بالمعروف

أما بعد فيقول رب العالمين سبحانه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ (20)وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21)} . 

وعند البخاري من حديث أَنَسَ قال «جَاءَ ثَلاَثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَته فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّى أُصَلِّى اللَّيْلَ أَبَدًا ولا أرقد وَقَالَ الثانى وأَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلاَ أُفْطِرُ أبداً وَقَالَ الآخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلاَ أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَنْتُمُ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّى أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّى وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِى فَلَيْسَ مِنِّى » 

أيها الإخوة المؤمنون أحباب رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث اليوم عن الوفاء ..
 عن الوفاء بين الزوجين فأعيرونى القلوب والأسماع والله أسأل أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين . 

أقول لكل زوجين لو أن أحدكما كان ملاكاً نزل من السماء فى حسن خلقه ولطف معاملته فإن ذلك لا يكفى فلابد من قيام كلٍّ منكما بحق صاحبه لأن الحياة شركة بينكما .

ومن هنا كان لكل منكما حديث .. حديثٌ من قلب محب يرجو أن يرى السعادة ترفرف على كل بيت مسلم ويعلم الله تعالى أن هذه المحاولة عصارة جهد واطلاع ووقفات ومشاورات وتأملات فى بيت النبى صلى الله عليه وسلم .

ولا أدعى فيها الكمال فهى كغيرها من جهد البشر فيها الزيادة والنقصان وفيها الصواب والخطأ وحسبى أنى اجتهدت فما كان من توفيق فمن الله وما كان من خلل فمنى ومن الشيطان والله ورسوله منه بريئان  .

أيها الإخوة المؤمنون 
لما خلق الله عز وجل آدم عليه السلام وأسكنه الجنة جعل آدم عليه السلام يشعر بالوحدة والوحشة يأكل وحده ويمشى وحده لا أنيس له من جنسه ولا ونيس فخلق الله له أمنا حواء وزوجها له فلما رآها ذهبت الوحشة عن آدم وسكنت نفسه اليها .

لا يشكك عاقل فى أن من نعم الله على بنى آدم أن الله جعل لنا من أنفسنا أزواجاً وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة فى الزواج سكن وأمان وفيه رضا الرحمان وفيه حفظ الدين فهو أغض للبصر وأحصن للفرج كما قال النبى صلى الله عليه وسلم .

هذه النعمة تدوم وتزداد ويبارك فيها إذا كان المرء وفياً لزوجه وكانت المرأة وفيَّة لزوجها .

ولأن الحديث عن ضرورة الوفاء بين الزوجين يطول فاسمحوا لنا أن نقتصر فى يومنا هذا على وفاء المرء لزوجه على أن يكون الحديث عن وفاء المرأة لزوجها قريباً إن قدر الله البقاء واللقاء 
قال الله تعالى :-
 { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا

* وفاء المرء لزوجه أيها المؤمنون إن دل على شئ فإنما يدل على :-
كرم الأخلاق وطيب الأصل يدل على المروءة والشهامة فما أكرمهن إلا كريم وما أهانهن إلا لئيم .

ما المرأة أيها المؤمنون بين يدى زوجها وفى بيته إلا أمانة نأخذها بعهد الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أحببناها أكرمناها وإن كرهناها ما ظلمناها .

ذكر أصحاب السير أن عليّا رضى الله عنه لما خطب فاطمة من رسول الله قال له رسول الله يا علىَّ بن أبى طالب فاطمة لك على أن تحسن صحبتها .

ما من كلمة طيبة تشنف بها آذان زوجك إلا وأنت مأجور عليها من الله تعالى وما من لقمة تسد بها جوعتها ولا شربة ماء ترويها بها إلا وأنت مشكور عليها من الله تعالى.

 حتى قضاء الوتر أيها المؤمنون بيننا وبين أزواجنا نؤجر عليه ونثاب قال رسول الله ( وفى بُضع أحدكم صدقة قالوا يا رسول الله أيأتى أحدنا شهوته ويكون له أجر قال أرأيتم لو وضعها فى حرام أكان عليه وزر قال نعم قال إن وضعها فى الحلال كان له أجر . 

وقال النبى صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبى وقاص { إِنَّكَ إنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِى بِهَا وَجْهَ اللَّهِ إِلاَّ أُجِرْتَ حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِى فِىِّ امْرَأَتِكَ

* من صور وفاء المرء لزوجه:-
 أن يكون معها فى الأمور كلها لا يكلفها فوق طاقتها ولا يلق بالأحمال كلها عليها بل يشاركها فى الصغيرة والكبيرة كتفه بكتفها يده بيدها فى السراء والضراء وفى الشدة والرخاء وقد سئلت أمنا عائشة عن حال رسول الله فى بيته فقالت كان رسول الله فى بيته بشر من البشر يخصف نعله ويرقع ثوبه ويحلب شاته ويخدم أهله . قلت يفعل ذلك وهو خاتم المرسلين وسيد الأولين والآخرين 

* من صور وفاء المرء لزوجه :-
فيما بينه وبين الناس أن يُحسن الحديث عنها ينشر حسناتها ويقدر جهدها معه ومع أولاده ويشكر صبرها وقوة احتمالها وفيما بينه وبينها يفتح لها قلبه وأن يشرح لها صدره فيسمع لها ويحدثها ويؤانسها ويحسن صحبتها ويرعاها بنفسه وماله وخاصةً فى وقت ضعفها وضيق صدرها .... فإذا حملت المرأة أو حاضت أو مرضت تأذت وتعكر مِزاجها  وضاق خلقها دلت على ذلك نصوص القرآن والسنة ومنها { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى} ) ومنها  {حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا 

وفى صحيح السنة أن عثمان بن عفان رضى الله عنه تغيب عن غزوة بدر فلم يشهدها مع رسول الله لأن رقية زوجه كانت مريضة فلزمها عثمان يطببها ويداويها ويخدمها ويقضى لها حوائجها فجاءه رسول الله فقال يا عثمان أقم معها ولك عند الله تعالى أجر من شهد بدراً وسهمه. 

بعض الناس يخطئ حين يفصل نفسه تماماً عن زوجه :
إن مرضت أو كثر أولادها وتقدم عمرها وذهب جمالها .. يجنح الى رفاقه وأصحابه فيخرج معهم ويسهر ويلهو ويلعب ويهجر زوجه ويهملها .. لا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يجور على حق زوجه ولو بالعبادة .

قال سلمان لأبى الدرداء إِنَّ لِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَلِضَيْفِكَ عَلَيْكَ حَقًّا وَإِنَّ لأَهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا فَأَعْطِ كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ. 

* قلت ومن وفاء المرء لزوجه وإكرامه لها:-
إكرام أبويها والسؤال عنهما وقضاء حوائجهما وإعانتها على برهما والتودد الى ذوى أرحامها  إكراماً لها قال النبى صلى الله عليه وسلم « «إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِىَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا الْقِيرَاطُ فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا أَوْ قَالَ ذِمَّةً وَصِهْرًا» . هاجر أم إسماعيل الجد الأعلى لرسول الله من مصر ومارية أم ابراهيم ابن النبى صلى الله عليه وسلم من مصر وصى النبى بالإحسان الى أهل مصر إكراماً لهما وهذا من كرم الأخلاق التى كان عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم .

 قلت ووفاء المرء لزوجه لا يكون فقط حال الحياة :-
حسن الصحبة والمعاشرة بالمعروف وحسن العهد والحلم والستر وكف الأذى بين المرء وزوجه يدوم حال قيام الزوجية ويدوم إن حصل طلاق أو فراق الوفاء بين المرء وزوجه يدوم حتى بعد الممات وإن شئت فاقرأ فى ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .

أول زوجات النبى أمنا خديجة رضى الله عنها عاشت مع رسول الله خمسة وعشرين عاماً من السكينة والمحبة ثم ماتت بعد رحلة طويلة كفّت فيها الأذى عن رسول الله وبذلت فيها وقدمت عن طيب نفس أغلى ما تملك طاعة لله ونصرة لدينه ولرسوله ماتت قبيل الهجرة فى عام سماه رسول الله عام الحزن . 

لسان رسول الله كان على الدوام يذكرها بالمدح والثناء والاستغفار والدعاء قالت عائشة حتى أنى كنت أغار منها وما رأيتها من كثرة ما كان رسول الله يذكرها قَالَتْ مَا حَسَدْتُ أَحَدًا مَا حَسَدْتُ خَدِيجَةَ وَمَا تَزَوَّجَنِى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلاَّ بَعْدَ مَا مَاتَتْ وما كان يسأم من الثناء عليها .

قالت عائشة حتى حملتنى الغيرة يوماً فقلت يا رسول الله ما أكثر ما تذكر خديجة والله ما علمتها إلا عجوز حمراء الشدقين هلكت فى الدهر قد عوضك الله خيراً منها وأفضل ( تقصد نفسها ) قالت فرأيت النبى غضب لما سمعنى غضباً انقبضت منه نفسى وجعلت أقول اللهم إن أذهبت غضب رسولك علىّ لم أعد أذكرها بسوء قالت فلما رأى رسول الله منى ذلك قال :-
«والله ما أبدلنى الله خيراً من خديجة آمنت بى حين كذبنى الناس وواستنى بمالها حين حرمنى الناس ورزقى الله منها الولد ما أبدلنى الله خيراً منها قالت عائشة وجعل رسول الله يُسمعنى هذه الكلمات شهراً كأنما ليس في الأرض امرأة إلا خديجة» 

ما كان رسول الله يسمع بقريب أو حبيب لخديجة رضى الله عنها إلا يقوم ويَهَشّ ويَبَشّ ويحسن الضيافة ويقول صويحبات خديجة كن يأتين الينا أيام خديجة وإن حسن العهد من الإيمان  
نسأل الله تعالى أن يهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين إنه ولى ذلك ومولاه وهو على كل شئ قدير .

الخطبة الثانية
أما بعد فيأيها الإخوة المؤمنون إذا كان الوفاء بين المرء وزوجه فضيلة تدل على الشهامة والمروءة والنبل وكرم الأخلاق فإن فى المقابل غياب الوفاء من المرء لزوجه يدل على الخسة والمهانة وإن شئت فقل غياب الوفاء بين المرء وزوجه يدل على اللؤم وخيانة الأمانة 
إفشاء الأسرار .. الإهمال .. الهجر المتجاوز حدوده والإعراض والعبوس وقسوة القلب والجفاء والغدر فى كل هذا ظلم من المرء لزوجه لا يرتضيه الله سبحانه وتعالى
وإذا عرف الظلم والغدر وهضم الحق طريقه الى أسرة من الأسر جاء وراءه الخراب وحلَّ الشقاق والشقاء فى الدنيا قبل الآخرة وأول من يسأل فى ذلك الرجل لأن الله تعالى جعله صاحب القوامة على زوجه.

لن تزولا قدما زوج يوم القيامة أيها المؤمنون حتى يسأله ربه عن زوجه كيف صاحبها وكيف عاملها أمره ربه إن عاشرها أن يعاشرها بالمعروف وإن أمسكها أن يمسكها بالمعروف وإن فارقها أن يفارقها بالمعروف فهل سمع وأطاع أم عاند وتجاوز وظلم ؟؟ 
قال النبى صلى الله عليه وسلم  « إن الله تعالى سائل كل راعً عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته» 

فى ذلك اليوم تجتمع الخصوم وتُستوفى الحقوق بين العباد بالحسنات والسيئات لا بالدرهم ولا بالدينار قال رسول الله:-
« « مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا ، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلاَ دِرْهَمٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ» »

يؤخذ بيد العبد يوم القيامة فيقال يا أهل الموقف هذا فلان بن فلان من كان له حق فليأت الى حقه 
فى ذلك اليوم المرأة التى هُضِمَ حقها من أبيها أو أخيها أو زوجها تفرح وتسعد وتأتى فتقول يا رب أبى ظلمنى فاقتص لى منه فتعطى من حسناته أبيها حتى ترضى وتقول يا رب أخى ظلمنى فاقتص لى منه فتعطى من حسنات أخيها حتى ترضى وتقول يا رب زوجى ظلمنى فخذ لى حقى منه فتعطى من حسنات زوجها حتى تستوفى حقها .

ذكر الله تعالى أن من مواقف يوم الحساب موقف الفرار:-
{ يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه
الصاحبة التى يفر منها المرء يوم القيامة هى زوجته التى ظلمها فى الدنيا وغدر بها  ...........

محمد سيد حسين عبد الواحد

إمام وخطيب ومدرس أول.

  • 2
  • 0
  • 985

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً