فضل العلم والفقه في الدين (فوائد من مصنفات السعدي)-2

منذ 2022-03-26

ومن أعظم ما يجب على المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه: الله ورسوله أعلم. وليس هذا بناقص لأقدارهم, بل هذا مما يزيد قدرهم, ويستدل به على دينهم وتحريهم للصواب.

 

يتعين على أهل العلم من المعلمين والمتعلمين أن يجعلوا أساس أمرهم, الذي يبنون عليه حركاتهم وسكناتهم الإخلاص الكامل والتقرب إلى الله بهذه العبادة, التي هي أجل العبادات وأكملها وأنفعها وأعمها, ويتفقدوا هذا الأصل الجليل في كل دقيق من أمرهم وجليل.

والحذر الحذر من التعصب للأقوال والقائلين...فإن التعصب مُذهب للإخلاص مزيل لبهجة العلم, مُعمٍ للحقائق, فاتح لأبواب الخصام والحقد. كما أن الإنصاف هو زينة العلم, وعنوان الإخلاص والنصح والفلاح

  • آداب المُعلِّم:

وعلى المعلم أن ينظر إلى ذهن المتعلم وقوة استعداده أو ضعفه فلا يدعه يشتغل بكتاب لا يناسب حاله, فإن هذا من عدم النصح, فإن القليل الذي يفهمه ويعقله خير من الكثير الذي هو عرضة لعدم الفهم والنسيان

وعلى المعلم النصح للمتعلم بكل ما يقدر عليه من التعليم والصبر على عدم إدراكه, وعلى عدم أدبه وجفائه, مع شدة حرصه على ما يقومه ويحسن أدبه, لأن المتعلم له حق على المعلم حيث أقبل على العلم الذي ينفعه وينفع الناس..فهو الولد الحقيقي للمعلم الوارث له قال تعالى{فهَب لي مِن لَدُنكَ وَلِيًّا * يَرِثُني وَيَرِثُ مِن آلِ يَعقوبَ}  [مريم_5-6] والمراد وراثة العلم والحكمة, فالمعلم مثاب مأجور على نفس تعليمه سواء فهم أو لم يفهم, فإذا فهم ما علمه وانتفع بنفسه ونفع غيره كان أجره جارياً للمعلم ما دام ذلك النفع متسلسلاً متصلاً, وهذه تجارة بمثلها يتنافس الموفقون.

وليرغب المتعلم بكل طريق ولا يُملَّه باشتغاله بما يعسر على فهمه من أنواع العلوم ومفرداتها...وينبغي سلوك الطريق النافع عند البحث تعلماً وتعليماً فإذا شرع المعلم في مسألة وضحها وأوصلها إلى أفهام المتعلمين بكل ما يقدر عليه من التعبير وضرب الأمثال والتصوير والتحرير, ثم لا ينتقل منها إلى غيرها قبل تحققها وتفهيمها للمتعلمين, ولا يدع المتعلمين يخرجون من الموضوع الذي لم يتم تقريره إلى موضوع آخر حتى يُحكِموه ويفهموه, فإن الخروج من الموضوع إلى غيره قبل الانتهاء منه يشوش الذهن ويحرم الفائدة ويخلط المسائل بعضها ببعض.

وينبغي تعاهد محفوظات المتعلمين ومعلوماتهم بالإعادة والامتحان والحث على المذاكرة والمراجعة وتكرار الدرس.

ومن أعظم ما يجب على المعلمين أن يقولوا لما لا يعلمونه: الله ورسوله أعلم. وليس هذا بناقص لأقدارهم, بل هذا مما يزيد قدرهم, ويستدل به على دينهم وتحريهم للصواب.

وفي توقفه عما لا يعلم فوائد كثيرة.

منها: أن هذا هو الواجب عليه.

ومنها: أنه إذا توقف وقال: لا أعلم, فما أسرع ما يأتيه علم, ذلك إما من مراجعته أو مراجعة غيره.

ومنها: أنه إذا توقف عما لا يعرف كان دليلاً على ثقته وإتقانه فيما يجزم به من المسائل, كما أن من عرف منه الإقدام على الكلام فيما لا يعلم كان ذلك داعياً للريب في كل ما يتكلم به, حتى في الأمور الواضحة.

  • آداب المُتعلَّم:

ويتعين البداءة بالأهم فالأهم من العلوم الشرعية وما يعين عليها من علوم العربية...وينبغي أن يسلك أقرب طريق يوصل إلى المطلوب الذي قصده, وأن ينتقي من مصنفات الفن الذي يشتغل فيه أحسنها وأوضحها وأكثرها فائدة.

وعلى المتعلم أن يوقر معلمه ويتأدب معه حسب ما يقدر عليه لما له من الحق...وإذا كان من أحسن إلى الإنسان بهدية مالية ينتفع بها, ثم تذهب وتزول, له حق كبير على المحسن إليه, فما الظن بهدايا العلم النافع الكثيرة المتنوعة, الباقي نفعها ما دام العبد حياً وبعد مماته. ولا يخرج عن إشارته وإرشاده وليجلس بين يديه متأدباً ويظهر غاية حاجته إلى علمه, ويدعو له حاضراً غائباً.

وإذا أتحفه بفائدة وتوضيح لعلم فلا يظهر له أنه قد عرفه قبل ذلك وإن كان عارفاً له, بل يصغي إليه إصغاء المتطلب بشدة إلى الفائدة, هذا فيما يعرفه فكيف بما لا يعرفه؟

وإذا أخطأ المعلم في شيء فلينبهه برفق ولطف بحسب المقام, ولا يقول له أخطأت أو ليس الأمر كما تقول, بل يأتي بعبارة لطيفة يدرك بها المعلم خطأه من دون أن يتشوش قلبه...فإن الرد الذي يصحبه سوء الأدب وانزعاج القلب يمنع من تصور الصواب ومن قصده.

وليحذر من طلب العلم للأغراض الفاسدة والمقاصد السيئة, من المباهاة والمماراة والرياء والسمعة...فليست هذه حال أهل العلم الذين هم أهله في الحقيقة, ومن طلب العلم واستعمله في أغراضه السيئة أو رياء أو سمعة فليس له في الآخرة من خلاق.

يتعين على طالب العلم أن يسعي بجهده لتحصيل ما يحتاجه من الفهم, وتشتد إليه ضرورته, مبتدئاً بالأهم فالأهم, قاصداً بذلك وجه الله, يعتقد أن درسه ومدارسته, وبحثه ومباحثته, ونظره ومناظرته, وتعلمه وتعليمه, طريق يوصله إلى ربه, ويحتسب به ثوابه, ويخرج به نفسه وغيره من ظلمة الجهل إلى نور العلم, ومن تبعة الإعراض عن الواجب والمستحب إلى القيام بهما.

وأن يعلم أن العلم المشروع هو ميراث نبيه محمد صلى الله عليه وسلم, فليستكثر منه, لتتحقق الوراثة النبوية.

 

من أعظم ما يتعين على أهل العلم الاتصاف بما يدعو إليه العلم من الأخلاق والأعمال...فهم أحق الناس بالاتصاف بالأخلاق الجميلة والتخلي من كل خلق رذيل, وهم أولى الناس بالقيام بالواجبات الظاهرة والباطنة وترك المحرمات.

  • العمل بما يدعو إليه العلم:

كان السلف يستعينون بالعلم على العمل, فإن عمل به استقر ودام ونمى وكثرت بركته, وإن ترك العمل به ذهب أو عدمت بركته, فروح العلم وحياته وقوامه إنما هو بالقيام به عملاً وتخلقاً وتعليماً ونصحاً.

فمن آداب العالم والمتعلم النصح وبث العلوم النافعة بحسب الإمكان, حتى لو تعلم الإنسان مسألة وبثها كان ذلك من بركة العلم, ولأن ثمرات العلم أن يأخذه الناس عنك, فمن شح بعلمه مات علمه بموته, وربما نسيه وهو حي, كما أن من بث علمه كان له حياة ثانية وحفظاً لما علمه وجازاه الله بحسب عمله.

تصور المسائل وإدراك ما بنيت عليه من الدليل والتعليل:

وأن يجتهد ويحرص في كل مسألة من مسائل الدين والأحكام على تصورها, وتحريرها وتفصيلها, وحدها, وتفسيرها, ثم يسعي في إدراك ما بنيت عليه من الدليل والتعليل الراجح لمعاني الكتاب والسنة وأصولهما. فإن العلم الحقيقي هو الجمع بين هذين الأمرين, والتحقق بهذين الأصلين بحسب القدرة والاستطاعة, فإذا فعل ذلك وقصد ترجيح ما قام عليه الدليل من الأقوال المختلفة, فقد وفق بسلوك طريق العلم الذي من سلكه سلكَ الله به طريقاً إلى الجنة, وكان سعيه مشكوراً, وخطأُه مغفوراً, وثوابه مضاعفاً, وأجره موفوراً.

                 كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

 

المراجع: كتب الشيخ التي تمّ الرجوع إليها:

** فتح الرحيم الملك العلام

** المختارات الجليلة من المسائل الفقهية

** الأجوبة النافعة عن المسائل الواقعة

** بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخبار

** القواعد والأصول الجامعة

** القواعد الفقهية

** رسالة: في آداب المُعلِّم والمتَعلِّم

** الدلائل القرآنية

** مجموع الفوائد واقتناص الأوابد

  • 2
  • 1
  • 1,483

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً