مذاهب أهل العلم في إفراد يوم السبت بصيام

منذ 2022-09-17

ذهب أهل العلم في إفراد يوم السبت بصيام في غير الفريضة مذاهب، هي: (لا يكره إفراده بالصيام في غير الفريضة - يكره صيامه إلا إذا قرن بيوم قبله أو يوم بعده - يكره إلا إذا وافق عادة له - يكره لمن أفرده بالصيام تعظيماً له)

مذاهب أهل العلم في إفراد يوم السبت بصيام

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاهم.

وبعد..

فقد كثر اللغط والجدل في الآونة الأخيرة في هذه المسألة، مما يحتم تجلية القول فيها، وبيان حكم الشرع، وتوضيح الراجح والمرجوح من الأقوال والمذاهب فيها، فأقول وبالله التوفيق:

 

ذهب أهل العلم في إفراد يوم السبت بصيام في غير الفريضة مذاهب، هي:

 

1. لا يكره إفراده بالصيام في غير الفريضة، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك، ورواية عن أحمد، ومن وافقهم.

 

2. يكره صيامه إلا إذا قرن بيوم قبله أو يوم بعده، وهذا مذهب الشافعي ورواية عن أحمد.

 

3. يكره إلا إذا وافق عادة له.

 

4. يكره لمن أفرده بالصيام تعظيماً له، لأنه عيد اليهود، بل قد يحرم.

 

أدلة المجيزين لإفراده:

استدل المجيزون لإفراده بالصيام في غير الفريضة مالك وغيره بأن الحديث الذي ورد في النهي عن إفراد السبت بالصوم لم يثبت، ومنهم من أعله بالشذوذ، وبأحاديث أخر، ومنهم من قال إنه منسوخ، وبالسنة العملية، نحو:

1. عن كريب مولى ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن ابن عباس وناساً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر صياماً لها؟ قالت: السبت والأحد فرجعت إليهم، فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا، فذكر أنك قلت كذا وكذا؟ فقالت: صدق، إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين وأنا أريد أن أخالفهم.

 

2. وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من الشهر السبت، والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء، والأربعاء، والخميس.

 

أدلة الكارهين لإفراد السبت بالصوم:

استدل الكارهون لإفراد يوم السبت بصيام من غير الفريضة بالآتي:

1. عن عبد الله بن بُسر عن أخته الصماء ترفعه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم».

 

وفي رواية زاد: «وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أوعود شجرة فليمضغه».

 

2. وردوا على المجيزين بأن الحديث صحيح، وليس معلوماً ولا يثبت نسخه.

 

أقوال العلماء في ذلك:

قال الإمام النووي - رحمه الله -: (يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره، صرح بكراهة إفراده أصحابنا، منهم: الدارمي، والبغوي، والرافعي، وغيرهم، لحديث عبد الله بن بُسر.

إلى أن قال: وقال أبو داود: هذا حديث منسوخ وليس كما قال، وقال مالك: هذا حديث كذب وهذا القول لا يقبل، فقد صححه الأئمة كما قال الحاكم أبو عبد الله، وهو حديث صحيح على شرط البخاري، قال: وله معارض صحيح وهو حديث جويرية السابق في صوم الجمعة.

 

ثم ذكر حديث كريب وعائشة السابقين، ثم قال: والصواب على الجملة ما قدمناه من أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له لحديث الصماء، وأما قول أبي داود أنه منسوخ فغير مقبول، وأي دليل على نسخه؟ وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد، فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت، وبهذا يجمع بين الأحاديث).

وقال ابن عبد البر المالكي - رحمه الله -: (وجائز صيام يوم الجمعة وغيره من أيام الجمعة) يعني الأسبوع.

 

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - وهو يتحدث عن صيام أيام أعياد الكفار مفردة: (ونذكر أولاً صوم يوم السبت، وذلك أنه روى ثور بن يزيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، وإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أوعودَ شجر فليمضغه»، (رواه أهل السنن الأربعة).

 

وقد اختلف الأصحاب وسائر العلماء فيه:

فقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل يسأل عن صوم السبت يفترد به؟ فيقول: جاء في ذلك حديث الصماء، يعني هذا الحديث المتقدم، ويقول: كان يحيى بن سعيد يتقيه.

قال: وحجة أبي عبد الله في الرخصة في صومه أن الأحاديث كلها مخالفة لهذا الحديث، مثل حديث أم سلمة حيث سئلت: أي الأيام كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر صياماً لها؟ فقالت: السبت والأحد.

ومثل نهيه عن صوم الجمعة إلا يوم قبله أو بعده، ومثل كان يصوم شعبان، ونحو ذلك، ولا يقال: إن النهي عن إفراده، لأنه قال في الحديث: «لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم»، فالاستثناء منه يدل على دخول غير المستثنى، بخلاف الجمعة فإنه نهى عن إفراده.

ففهم الأثرم الرخصة في صومه، وذلك أن أحمد علل الحديث بأن يحيى كان يتقيه، وأما أكثر الأصحاب ففهموا من كلام أحمد الأخذ بالحديث، وحمله على الإفراد، وهؤلاء يكرهون إفراده عملاً بالحديث لجودة إسناده، ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فقال ابن عقيل: لأنه يوم يمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبهاً بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد وعلله طائفة من الأصحاب: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب، فقصده دون غيره فيه تعظيم لما عظمه أهل الكتاب، فكره ذلك كما كره إفراد عاشوراء وإفراد رجب لما عظمه المشركون، وهذه العلة تعارض بيوم الأحد، فإنه عيد النصارى، وقد يقال: إذا كان يوم عيد فمخالفتهم تكون بالصوم لا بالفطر، ويقوي ذلك ما روي عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصوم يوم السبت والأحد، ويقول: «هما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم»، (رواه أحمد والنسائي وصححه بعض الحفاظ)، وهو نص في استحباب صوم يوم عيدهم، وليس في ذلك حجة على من كره إفراده، لأنه إذا صام السبت والأحد زال الإفراد المكروه، وحصلت المخالفة للمشركين).

وقال الشيخ إبراهيم بن محمد سالم بن ضويان - رحمه الله - في منار السبيل شرح الدليل على مذهب أحمد: (وكره إفراد رجب بالصوم.. والجمعة والسبت بالصوم لحديث.. )، وذكر الحديثين في إفراد الجمعة والسبت بصيام.

 

ثم قال: (واختار الشيخ تقي الدين ابن تيمية أنه لا يكره صوم السبت مفرداً، وأن الحديث شاذ أو منسوخ).

 

وقال الشيخ الألباني بعد أن خرج وصحح حديث عبد الله بن بُسر السابق في إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل له: (ومما سبق يتبين لمن تتبع تحقيقنا هذا أن للحديث عن عبد الله بن بُسر ثلاث طرق صحيحة، لا يشك من وقف عليها على هذا التحرير الذي أوردنا أن الحديث ثابت صحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فمن الإسراف في حقه والطعن بدون حق في رواته ما رووا بالإسناد الصحيح عن الزهري أنه سئل عنه؟ فقال: ذاك حديث حمصي!

 

وعلق عليه الطحاوي بقوله: فلم يعده الزهري حديثاً يقال به، وضعفه!

 

وأبعد منه عن الصواب، وأغرق في الإسراف ما نقلوه عن الإمام مالك أنه قال: هذا كذب!

 

وعزاه الحافظ في التلخيص [200] لقول أبي داود في السنن عن مالك، ولم أره في السنن، فلعله في بعض النسخ13 أو الروايات منه، قال ابن الملقن في خلاصة البدر المنير بعد أن ذكر قول مالك هذا [103/1]: قال النووي: لا يقبل هذا منه، وقد صححه الأئمة.

 

والذي في السنن عقب الحديث: قال أبو داود: هذا حديث منسوخ.

 

إلى أن قال عن حديث كريب عن ابن عباس السابق: ولهذا قال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق [2/60/1] عقب حديث ابن عباس: وهذا لا يخالف أحـاديث الانفراد بصوم يوم السبت، قال شيخنا يعني ابن تيمية -: ليس في الحديث دليل على إفراد يوم السبت بالصوم، والله أعلم.

 

قلت القائل الألباني -: وهذا أولى مما نقله المصنف عن ابن تيمية.

 

واختار الشيخ تقي الدين أنه يكره صوم يوم السبت مفرداً، وأن الحديث شاذ أومنسوخ.

 

ذلك لأن الحديث صحيح من طرق ثلاثة، كما سبق تحريره، فأنى له الشذوذ؟).

 

وقال الشيخ العثيمين - رحمه الله - في فتاوى أركان الإسلام، وقد سئل إذا كان الإنسان يصوم يوماً ويفطر يوماً، ووافق يوم صومه يوم الجمعة، فهل يجوز له صيامه أم لا؟: (الجواب: نعم، يجوز للإنسان إذا كان يصوم يوماً ويفطر يوماً أن يصوم الجمعة منفرداً، أو السبت، أو الأحد، أو غيرها من الأيام، ما لم يصادف ذلك أياماً يحرم صومها، فإن صادف أياماً يحرم صومها وجب عليه ترك الصوم، فإذا قدِّر أن رجلاً كان يصوم يوماً ويفطر يوماً فصار فطره يوم الخميس ويوم صومه يوم الجمعة فلا حرج عليه أن يصوم يوم الجمعة حينئذ.. لأنه صادف اليوم الذي يصوم فيه).

 

الخلاصة:

أولاً: لا يكره إفراد يوم السبت بصيام إن وافق يوماً اعتاد المسلم صيامه، كيوم عرفة، وعاشوراء، ونحوهما.

ثانياً: لا يكره صيام السبت إذا صام يوماً قبله أو بعده.

ثالثاً: لا يكره إفراد يوم السبت بصيام واجب، كقضاء، وكفارة، ونذر، ونحو ذلك.

رابعاً: يكره إفراد يوم السبت بصيام إذا نوى المسلم تعظيمه لأنه من أعياد اليهود، بل يحرم.

خامساً: حديث الصماء - رضي الله عنها - الذي نهى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن إفراد السبت بصوم تطوع صحيح، ولم يثبت نسخه، ولهذا وفق العلماء بينه وبين أحاديث الإباحة بصوم يوم قبله أو بعده.

سادساً: كراهة إفراد السبت بصوم غير واجب دون كراهة إفراد الجمعة.

وأخيراً أحب أن اذكر نفسي وإخواني المسلمين بالآتي:

أولاً: أن الأمر إذا كان فيه توسعة من صاحب الشريعة فلا ينبغي لأحد أن يضيق أو يثرب على من خالف في ذلك، سيما إذا اختلف في المسألة من هم خير منا، شريطة أن يكون للمسألة دليل معتبر، أما إذا لم يوجد دليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع فكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب الشرع، كما قال مالك - رحمه الله -.

 

ثانياً: أنه لا يحل لا حد أن يقلد أحداً في كل ما يقول إلا صاحب الشريعة - صلى الله عليه وسلم -.

 

ثالثاً: إذا كانت هناك إمكانية للتوفيق بين الأحاديث الصحيحة الصريحة فلا داعي للاستعجال بالحكم على حديث منها بالنسخ أو الضعف من غير دليل.

 

رابعاً: ما من عالم وإن سمت منزلته في العلم إلا ويعزب عليه بعض العلم.

 

خامساً: يجب على كل مسلم أن يدور مع الدليل حيث دار، ويحذر تقليد الرجال وتقديسهم، حيث لا فرق بين بهيمة تُقاد وامرئ يسلم أمره إلى الرجال.

 

سادساً: تقليد المعاصرين من المشايخ في كل ما ذهبوا إليه أعظم خطراً وأكثر ضرراً من تقليد الأئمة المتبوعين، وفي كل ضرر ليس بعده ضرر.

اللهم ألف بين قلوب المسلمين، واهدهم سبل السلام، وجنبهم الفتن والفواحش والآثام، وصلى الله وسلم على خيرته من خلقه، محمد بن عبد الله، الذي ختم الله به الرسل الكرام، والسلام.

  • 1
  • 0
  • 388

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً