فوائد مختارة من تفسير ابن كثير (6) من سورة الأنفال إلى سورة النحل

منذ 2022-10-01

هذا الجزء السادس من فوائد مختارة من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله, من سورة الأنفال إلى سورة النحل, أسأل الله أن ينفع بها


الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين...أما بعد: فهذا الجزء السادس من فوائد مختارة من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله, من سورة الأنفال إلى سورة النحل, أسأل الله أن ينفع بها

إعجاز القرآن, أنه لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله, ولا بعشر سور, ولا بسورة من مثله, لأنه بفصاحته وبلاغته ووجازته وحلاوته, واشتماله على المعاني الغزيرة النافعة في الدنيا والآخرة, لا يكون إلا من عند الله الذي لا يشبهه شيء في ذاته, ولا في صفاته, ولا في أفعاله, وأقواله, فكلامه لا يشبه كلام المخلوقين.

  • أنزل القرآن بأشرف اللغات على أشرف الرسل في أشرف البقاع:

أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة, وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض وابتدأ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان فكمل من كل الوجوه.  

لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس.

& {﴿على ربهم يتوكلون﴾} [الأنفال:3] لا يرجون سواه ولا يقصدون إلا إياه ولا يلوذون إلا بجنابه ولا يطلبون الحوائج إلا منه ولا يرغبون إلا إليه ويعلمون أنه ما شاء كان وما لم يشاء لم يكن وأنه المتصرف في الملك وحده لا شريك له ولا معقب لحكمه.

قال ابن عباس: أهل الرياء يعطون بحسناتهم في الدنيا, وذلك أنهم لا يظلمون نقيراً قال قتادة: من كانت الدنيا همه ونيته وطلبته جازاه الله بحسناته في الدنيا, ثم يفضي إلى الآخرة وليس له حسنة يعطي بها جزاء. وأما المؤمن فيجازي بحسناته في الدنيا, ويثاب عليها في الآخرة.

  • أولياء الله:

& قال ابن مسعود وابن عباس وغير واحد: أولياء الله الذين إذا رؤوا ذُكِر الله.

& كلّ من كان تقياً كان لله ولياً.

& أولياؤه...لا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أهوال الآخرة, ولا هم يحزنون على ما وراءهم في الدنيا.

قد كان للصحابة رضي الله عنهم, في باب الشجاعة, والائتمار بما أمرهم الله ورسوله به, وامتثال ما أرشدهم إليه, ما لم يكن لأحد من الأمم, والقرون قبلهم, ولا يكون لأحد من بعدهم, فإنهم ببركة الرسول صلى الله عليه وسلم وطاعته فيما أمرهم فتحوا القلوب, والأقاليم شرقاً وغرباً في المدة اليسيرة, مع قلة عددهم بالنسبة إلى جيوش سائر الأقاليم, من الروم, والفرس, والترك, والصقالبة, والبربر, والحبوش, وأصناف السودان, والقبط, وطوائف بني آدم, قهروا الجميع, حتى علت كلمة الله, وظهر دينه على سائر الأديان, وامتدت الممالك الإسلامية في مشارق الله ومغاربها, في أقلّ من ثلاثين سنة, فرضي الله عنهم وأرضاهم أجمعين, وحشرنا في زمرتهم إنه كريم وهاب.

 

  • المؤمنون:

& المؤمن,...إذا ذكر الله وجل قلبه, أي: خاف منه, ففعل أوامره, وترك زواجره.

& المؤمن الكامل هو الذي يكون رفيقاً لأخيه المؤمن, غليظاً على عدوه الكافر,

& المؤمن من يتفطن لما ابتلاه الله به من الضراء والسراء,...والمنافق مثله كمثل الحمار لا يدري فيم ربطه أهله, ولا فيم أرسلوه.  

& المؤمنون...يشكرون الله على السراء, ويصبرون على الضراء.

  • المنافقون:

& قال ابن عباس رضي الله عنهما: المنافقون: لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه, ولا يؤمنون بشيء من آيات الله, ولا يتوكلون, ولا يصلون إذا غابوا, ولا يؤدون زكاة أموالهم.

& لا يزالون في هم وحزن وغم لأن الإسلام وأهله في عزّ ونصر ورفعة.

& من صفات المنافقين لا يسلم أحد من عيبهم, ولمزهم في جميع الأحوال, حتى ولا المتصدقون يسلمون منها, إن جاء أحد منهم بمال جزيل, قالوا: هذا مراء, وإن جاء بشيء يسير, قالوا: إن الله لغني عن صدقة هذا.

& قال ابن عباس رضي الله عنهما: الدنيا قليل, فليضحكوا فيها ما شاءوا, فإذا انقطعت الدنيا, وصاروا إلى الله عز وجل, استأنفوا بكاء لا ينقطع أبداً.  

  • تقوى الله:

من اتقى الله بفعل أوامره, وترك زواجره, وُفّق لمعرفة الحق من الباطل, فكان ذلك سبب لنصره, ونجاته ومخرجه من أمور الدنيا, وسعادته يوم القيامة, وتكفير ذنوبه وهو محوها, وغفرها سترها عن الناس, وسبباً لنيل ثواب الله الجزيل.

العين حق:

يعقوب عليه السلام, أمر بنيه لما جهزهم مع أخيهم بنامين إلى مصر, أن لا يدخلوا كلهم من باب واحد. وليدخلوا من أبواب متفرقة, فإنه كما قال ابن عباس...وغير واحد أنه خشي عليهم العين, وذلك أنهم كانوا ذو جمال وهيئة حسنة, ومنظر وبهاء, فخشي عليهم أن يصيبهم الناس بعيونهم. فإن العين حق, تستنزل الفارس عن فرسه.

يخبر تعالى عن حلمه ولطفه بعباده أنه لا يستجيب لهم إذا دعوا على أنفسهم, أو أموالهم, أو أولادهم بالشر في حال ضجرهم, وغضبهم, وأنه يعلم منهم عدم القصد إلى إرادة ذلك, فلهذا لا يستجيب لهم والحالة هذه لطفاً ورحمةً, كما يستجيب لهم إذا دعوا لأنفسهم, أو لأموالهم, أو أولادهم بالخير والبركة والنماء.  

  • عقوبة أول جبار في الأرض:

أول جبار كان في الأرض: النمرود, فبعث الله عليه بعوضة, فدخلت في منخره, فمكثت أربعمائة سنة, يضرب رأسه بالمطارق, وأرحم الناس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه, وكان جباراً أربعمائة سنة, فعذبه الله أربعمائة سنة كملكه, ثم أماته.

  • إيمان قوم يونس لما عاينوا أسباب العذاب

لم توجد قرية آمنت بكمالها ممن سلف من القرى إلا قوم يونس, وهم أهل نينوى, وما كان إيمانهم إلا تخوفاً من وصول العذاب الذي أنذرهم به رسولهم بعدما عاينوا أسبابه, وخرج رسولهم من بين أظهرهم, فعندها جأروا إلى الله, واستغاثوا, وتضرعوا له, واستكانوا, وأحضر أطفالهم ودوابهم ومواشيهم, وسألوا الله تعالى أن يرفع عنهم العذاب الذي أنذرهم به نبيهم, فعندها رحمهم الله, وكشف عنهم العذاب وأخروا.

 

  • كثرة الصلاة عند اشتداد البلاء:

قوله تعالى: {﴿ واجعلوا بيوتكم قبلة﴾} [يونس: 87] قال الثوري عن ابن منصور عن إبراهيم: كانوا خائفين فأمروا أن يصلوا في بيوتتهم, وكذا قال مجاهد, وأبو مالك, والربيع, والضحاك,....وكأن هذا والله أعلم لما اشتد بهم البلاء من قبل فرعون وقومه وضيقوا عليهم, أمروا بكثرة الصلاة, كقوله تعالى: {﴿ يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ﴾ } [البقرة:153]

  • متفرقات:

& القرآن اشتمل على كل علم نافع, من خير ما سبق, وعلم ما سيأتي, وكل حلال وحرام, وما الناس محتاجون إليه, في أمر دنياهم ودينهم, ومعاشهم ومعادهم.

& القرآن أعظم المعجزات, وأبين الدلالات, وأصحّ الحج والبينات.

& يقول تعالى: {﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم ﴾}  [العنكبوت:13] قال مجاهد: يحملون أثقالهم ذنوبهم, وذنوب من أطاعهم, ولا يخفف عمن أطاعهم من العذاب شيئاً.

& قوله تعالى: {﴿ إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ﴾} [النحل:128] أي: معهم بتأييده ونصره ومعونته وهديه وسعيه.... ﴿ الذين اتقوا ﴾ أي: تركوا المحرمات, ﴿ والذين هم محسنون ﴾ أي: فعلوا الطاعات, فهؤلاء الله يحفظهم ويكلؤهم وينصرهم ويؤيدهم ويظفرهم على أعدائهم ومخالفيهم.   

& قال تعالى: { ﴿ وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ﴾} [الرعد:6] أي أنه تعالى ذو عفو وصفح وستر للناس مع أنهم يظلمون ويخطئون بالليل والنهار, ثم قرن هذا الحكم بأنه شديد العقاب, ليعتدل الرجاء والخوف.  

ــــــــــــــــــ

& يوسف عليه السلام اشتهر في السجن بالجود, والأمانة, وصدق الحديث, وحسن السمت, وكثرة العبادة صلوات الله عليه وسلامه, ومعرفة التعبير, والإحسان إلى أهل السجن, وعيادة مرضاهم, والقيام بحقوقهم.

& يعقوب عليه السلام...أعرض عن بنيه, وقال متذكرا حزن يوسف القديم الأول: {﴿ يا أسفى على يوسف ﴾} [يوسف:84] جدد له حزن الابنين الحزن الدفين.  

& عن عبدالله بن الزبير رضي الله عنهما, أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث, وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده, والملائكة من خيفته. ويقول: هذا وعيد شديد لأهل الأرض.

& يقول تعالى: ما أضعنا صبر يوسف على أذى إخوته, وصبره على الحبس بسبب امرأة العزيز, فلهذا أعقبه الله عز وجل السلام والنصر والتأيد.

& إنا لنعلم يا محمد أنك يحصل لك من أذاهم لك: ضيق صدر, وانقباض, فلا يهدينك ذلك, ولا يثنيك عن إبلاغ رسالة الله, وتوكل عليه, فإنه كافيك, وناصرك عليهم, فاشتغل بذكر الله وتحميده, وتسبيحه, وعبادته التي هي الصلاة.

& يخبر تعالى عن حلمه وإنظاره العصاة الذين يعملون السيئات, ويدعون إليها, ويمكرون بالناس في دعائهم إياهم, وحملهم عليها, مع قدرته أن يخسف بهم الأرض, أو يأتيهم بالعذاب من حيث لا يشعرون, أي من حيث لا يعلمون مجيئه إليهم.  

& أمر الله المؤمنين إذا ترددوا في أمورهم أن يستخيروه, بأن يعبدوه, ثم يسألوه الخيرة في الأمر الذي يريدونه.

& يقول تعالى: لو عاينت يا محمد حال توفي الملائكة أرواح الكفار, لرأيت أمراً عظيماً, هائلاً فظيعاً منكراً.

ــــــــــــــ

& يخبر تعالى أنه لم يؤمن بموسى عليه السلام مع ما جاء به من الآيات البينات, والحجج القاطعات, والبراهين الساطعات, إلا قليل من قوم فرعون من الذرية, وهم الشباب على وجل وخوف منه, ومن مثله أن يردوهم إلى ما كانوا عليه من الكفر, لأن فرعون لعنه الله كان جباراً عنيداً مسرفاً في التمرد والعتو, وكانت له سطوة ومهابة, يخاف رعيته منه خوفاً شديداً.

& يخبر تعالى عن تمام عدله وقسطه في حكمه, بأنه تعالى لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه.

& يأمر تعالى رسوله وعباده المؤمنين بالثبات والدوام على الاستقامة, وذلك من أكبر العون على النصر على الأعداء.

& قال ابن مسعود رضي الله عنه:

_ إن معاذا كان أمة قانتاً لله حنيفاً...الأمة: الذي يعلم الخير, والقانت: المطيع لله ورسوله. وكذلك كان معاذ.   

_ الكذب لا يصلح منه جدّ ولا هزال.

_ النعاس في القتال أمنة من الله, وفي الصلاة من الشيطان.

& عن عمرو ميمون الأودي قال: أدركت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وهم يقولون: إن المساجد بيوت الله في الأرض, وإنه حق على الله أن يكرم من زاره فيها

& قال قتادة: النعاس في الرأس, والنوم في القلب.

& قال مجاهد: ما من عبد إلا له ملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والإنس والهوام, فما منها شيء يأتيه يريده, إلا قال له الملك: وراءك, إلا شيء أذن الله فيه فيصيبه.

ـــــــــــــــ

& قال الفضيل بن عياض: وقفت امرأة العزيز على ظهر الطريق حتى مرّ يوسف, فقالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته, والملوك عبيداً بمعصيته.

& الحياة الطيبة: تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت.

& شياطين الإنس والجن...لا يعادي الرسل إلا الشياطين من هؤلاء وهؤلاء, قبحهم الله ولعنهم.

& السحرة لما آمنوا بموسى عليه السلام...كانوا في أول النهار سحرة, وفي آخره شهداء بررة.  

& الغفر هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب, والرحمة إذا قرنت مع الغفر يُراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل.

& الخيانة تعم الذنوب الصغار والكبار اللازمة والمتعدية.

& شهد الله بالإيمان لعمار المساجد.

& سيء المزاج لو غذي بما غذي به لا يزيده إلا خبالاً ونقصاً.  

& لا خسارة أعظم من خسارة من فُرقّ بينه وبين أحبته يوم الحسرة والندامة.

& جزاء السيئة السيئة بعدها, كما أن جزاء الحسنة الحسنة بعدها.

& أتباع الحق هم الأشراف ولو كانوا فقراء, والذين يأبونه هم الأراذل ولو كانوا أغنياء.

& غالباً أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس, والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته.

&الاستغفار من اتصف بهذه الصفة يسر الله عليه رزقه وسهل عليه أمره وحفظ شأنه

& التحسس يكون في الخير, والتجسس يكون في الشر.

& الصواعق...يرسلها نقمة ينتقم بها ممن يشاء, ولهذا تكثر في آخر الزمان.

ــــــــــــــــ

& إنما يتعظ, ويعتبر, ويعقل, أولو العقول الصحيحة, جعلنا الله منهم.  

& من ترك شيئاً لله, عوضه الله بما هو خير له منه.

& كل عسى في القرآن فهي واجبة.

& في العسل شفاء للناس, أي: من أدواء تعرض لهم, قال بعض من تكلم في الطب النبوي: لو قال فيه الشفاء للناس, لكان دواء لكل داء, ولكن قال فيه شفاء للناس, أي: يصلح لكل أحد من أدواء باردة, فإنه حار, والشيء يداوى بضده.

ــــــــــــ                     كتبه / فهد بن عبدالعزيز بن عبدالله الشويرخ

  • 1
  • 0
  • 307

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً