ميادين احتساب المرأة المسلمة 2

منذ 2011-11-02

ميادين احتساب المرأة المسلمة 2
الكـاتب: عبده قايد الذريبي
المختار الإسلامي

كنا قد تحدثنا في مقال سابق عن بعض ميادين احتساب المرأة المسلمة، وتكملة للموضوع، وحبا في الإفادة، رأينا أن نكمل هذا الموضوع بذكر ميادين أخرى يمكن للمرأة المسلمة أن تساهم فيها، فمن ذلك:

رابعا: المجالس العامة "المناسبات والولائم واللقاءات": سواء كانت مناسبة فرح، كعرس، ونحوه، أو مناسبة حزن، كعزاء، وما أشبه ذلك، أو لقاءات أسرية، أو نحو ذلك، وسواء كانت هذه اللقاءات في المنزل، أو في صالة أفراح، أو في فندق، أو ما أشبه ذلك، فإذا رأت المرأة المسلمة منكرا وجب عليها تغييره إذا كانت عالمة قادرة، فإذا سمعت لهوا محرما في عرس أنكرته، وإذا رأت بدعة أو مخالفة في عزاء نصحت وبينت، وإذا سمعت كذبا أو غيبة في مجلس أنكرت، وردت على أصحابها، ولتتأسّ في ذلك بنبيها عليه الصلاة والسلام فها هو عليه الصلاة والسلام ينكر على عائشة لما سمعها تقول في مجلس: "حسبك من صفية، كذا وكذا -تعني قصيرة -، فقال: «لقد قلتِ كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته» (رواه أبو داود(4875)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب2834).

فعلى المرأة أن تنكر، فإن استجبن لها فبها ونعمت، إلا فلتعتزل المجلس، لقوله تعالى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].

قال النووي رحمه الله: "اعلم أنّه ينبغي لمن سمع غيبة مسلم أن يردّها ويزجر قائلها، فإن لم ينزجر بالكلام زجره بيده، فإن لم يستطع باليد ولا باللّسان، فارق ذلك المجلس، فإن سمع غيبة شيخه أو غيره ممّن له عليه حقّ، أو كان من أهل الفضل والصّلاح، كان الاعتناء بما ذكرناه أكثر" (الأذكار، ص433) إي إذا كانت الغيبة في أهل العلم وأهل الفضل، و في رجال الحسبة يكون الإنكار حينها أوجب!

وعلى المحتسبة أن تتخذ كافة الوسائل الدعوية المتاحة لها، وأن تتخير الوسيلة المجدية والمناسبة، فهذه امرأة صالحة لها تجربة نافعة في هذا الميدان: "فنظرًا لضيق وقتها، ورغبتها في أن يعم الخير أرجاء الحي، بدأت في تنظيم مسابقة لحفظ القرآن في الحي، ووضعت جوائز قيمة، ثم بدأت في تسميع حفظ المشاركات، وبعد أن انتهت الدورة دعتهن إلى منزلها لأول مرة، وذلك لاستلام الجوائز والفرح بهذا الفضل العظيم.

إنها مسابقة لحفظ القرآن عن طريق الهاتف وعندما اجتمعن لديها، قالت: هذا جهاز الهاتف سخرناه لخدمة دين الله، ونحمد الله أننا جعلناه أداة للخير، ومعينًا على القرار في البيوت.

ثم أردفت -بحث المتسابقات على الحسبة- كل واحدة منكنَّ تستطيع أن تقيم مسابقة مثل هذه لأقاربها وصديقاتها ومعارفها، وهي في مكانها.

للجار حق عظيم، وقد أوصى به صلى الله عليه وسلم، أخذت حديث الرسول صلى الله عليه وسلم من أطرافه، فقامت بتفقد أحوال الجيران ومواساتهم.

اجتماع الحي اكتسب طابع الخير-وهذه وسيلة أخرى-، فمن موعظة حسنة إلى قراءة بعض الأحاديث وحفظ ومراجعة آيات القرآن، إلى حصالة للمبالغ المالية تحضر معهم كل جلسة ثم إذا قاربت على الامتلاء، تم استبدالها بأخرى، ويذهب ريعها للمشاريع الخيرية.

سنوات! بعضهن تتبرع بريال، وأخرى بمائة، وكل على قدر طاقته وحسب استطاعته.

تتفقد أرامل الحي وأيتامه وفقراءه وتسأل عن المحتاجين ماذا تريدون؟ وماذا ينقصكم؟ لهذه العائلة ثلاجة ولتلك غسالة ولأخرى أدوات مدرسية، ثم تشتري تلك الحاجيات وتبعث بالفاتورة إلى من لديه سعة في المال فيقوم بسدادها، وهكذا تنتقل من خير إلى خير.

تعجبن من عرضها عليهن تعلم الخياطة، ولكنها مع مرور الأيام بدأت في تنفيذ ذلك وبدأ نساء الحي يقمن بخياطة بعض ثيابهن إنها هواية ومتعة وفيها مع النية الأجر والثواب.

لم تقتصر همتها ودعوتها إلى الله على طالبات المدرسة، بل تعدى نفعها إلى الجيران، فجعلت لهم نصيبًا من دعوتها بين حين وآخر تجمع نساء الحي وتلقي عليهن كلمة توجيهية ذات فائدة، تكون زادهن إلى الآخرة، وبين محاضرة وأخرى تستضيف زميلة لها لإلقاء المحاضرة ليكون هناك تجديد وتنويع.

علمت أن غرس الفضيلة يتمكن في النفوس منذ الصغر، فسعت إلى جمع بنات الحي الصغيرات يومين في الأسبوع في منزلها لمدة ساعة ونصف يحفظن القرآن، وتغرس في نفوسهن معنى الفضيلة، وتعلمهن الحشمة والحياء.

تحث العوائل على زواج أبنائهم وتسارع في البحث لهم عن الزوج الصالح وتقدم من لديها ظروف خاصة أو خوف من انحرافها وتدل على صاحبة الدين وتثني على تقاها وورعها.

بين حين وآخر تجمع بين زوجين وهي تدعو بالتوفيق والذرية الصالحة، وعندما قدمت لها والدة إحداهن هدية ومبلغًا من المال رفضت، وقالت لها في الهاتف: "أنا أعمل لوجه الله" (غراس السنابل، ص 83- 84).

فحري بك أيتها المرأة المسلمة أن تغتنمي الفرص السانحة، وأن تستغلي المناسبات العامة لنشر الدعوة إلى الله، والحث على الفضائل، والتحذير من الرذائل.

خامسا: الأسواق العامة: فإذا خرجت المرأة لحاجة، فرأت امرأة متبرجة قامت بنصحها وإرشادها، مبينة لها حرمة ذلك، وموضحة لها أن لله قد نهى عن ذلك من فوق سبع سموات، فأنزل الله سبحانه في كتابه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [الأحزاب: 59]، وإذا رأت امرأة لابسة ثيابا ضيقة شفافة نصحتها، لقوله صلى الله عليه وسلم: «صنفان من أهل النار لم أرهما» وذكر: «ونساء كاسيات عاريات مميلات مائلات، رؤسهن كأسنمة البخت المائلة، لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا» (رواه مسلم 2128).

وإذا وجدت من امرأة رائحة زكية فواحة نصحتها، وبينت لها أن ذلك لا يجوز لها إلا في بيتها، أما عند خروجها إلى السوق فلا، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة استعطرت، فمرت على قوم ليجدوا من ريحها فهي زانية» (رواه النسائي 5126، وحسن إسناده الألباني في صحيح الجامع2701)، فإذا خرجت المرأة لحاجة فلتخرج متحجبة تفلة غير متعطرة، ولا متزينة.

وحبذا لو أن هذه المحتسبة التي خرجت لحاجة يكون معها محرمها ليصونها من أي أذى قد يصيب بها..

وكذلك الحسبة مطلوبة في الأسواق النسائية المغلقة، بالاحتساب على زئرات السوق، وعلى العاملات فيه، وأيضا على إدارة السوق النسائية، فإذا رأت مخالفة شرعية نبهت عليها، ونصحت من وقعت فيها.

وكذلك الأماكن الترفيهية المغلقة للنساء، كالحدائق والمتنزهات، وما أشبه ذلك، فتحتسب المرأة فيها على الزائرات، وعلى العاملات فيها، وأيضا على إدارة السوق.

وعليها إذا خرجت إلى السوق أن تصطحب معها بعض المنشورات الخاصة بالمرأة، أو السديهات المفيدة، لتوزيعها، فهذه وسيلة احتسابية نافعة.

سادسا: الصديقات في العمل، أو في الدراسة، أو في الحي: كل هؤلاء مطالبات بالحسبة على بعضهن البعض إذا كن مستطيعات.

فالصداقة والصحبة لها تبعات، وعليها مسئوليات، فمن حق الصديق على صديقه أن ينصحه، فهؤلاء ثلاث صديقات: "بدأنا طريق الهداية، وهن في المرحلة الجامعية، جمعتهن القرابة، وزادت المقاعد الدراسية في حب بعضهن لبعض، ثم تأصل ذلك محبة في الله، فبدأنا في جمع مبلغ بسيط من مرتباتهن في الجامعة، به يشترين بعض الكتيبات والأشرطة، وعلى الرغم من قلة هذا المبلغ إلا أن الله بارك فيه ليشمل ما يوزعهن جميع أقاربهن ومعارفهن، وبدأ ينضم إليهن بعض فتيات العائلة حتى تيسرت أمورهن، ولم تعد المادة عائقًا نحو شراء تلك الكتب والأشرطة".

وهذه صاحبة طاعة وقيام ليل، لا تترك النوافل وعندما تحدث زميلاتها في المدرسة الثانوية تحث فيهن روح العمل، هيا نصلي متى نعمل إذا كبرنا وأصبح الوقوف صعبًا، والركوع مشقة، والسجود بجهد.. نحن في زمن النشاط والقوة، هيا نعمل ونجد في الطاعة قبل أن يدركنا الموت أو تدب إلينا الأمراض والأسقام والأوجاع وقبل أن تكثر مسئولياتنا من زوج وأبناء.

وهؤلاء ثلاث زميلات في الجامعة تعاهدن على حفظ القرآن كاملاً، وكان بينهن اتصال مستمر مساء كل يوم لتسميع ما حفظن، دقائق معدودة وفي نهاية الأسبوع يكون التسميع لبعض الآيات من أول السورة ووسطها وآخرها ليسترجعن ويتأكدن من حفظهن كانت النتيجة من هذا الخير في شهر ونصف حفظن سورة البقرة" (غراس السنابل، ص(12- 13) بتصرف).

سابعا: المستشفيات والمستوصفات: فإذا رأت المرأة تقصيرا في العمل سددت ونصحت: "فالمؤمنون نصحة، والمنافقون غششة"، وإذا علمت غشا في العمل نصحت ووجهت، وإذا رأت تبرجا وسفورا، أو اختلاطا أنكرت، وإذا لم تستطع ذلك رفعت إلى الجهات المختصة لاتخاذ العقوبات اللازمة، والإجراءات الصارمة.

ثامنا: الصحف والمجلات: وذلك من خلال الكتابة عن قضايا المرأة، والدفاع عنها، والرد على دعاة التحرير المزعوم! ومحاولة التأثير على بعض الكاتبات في الصحف والمجلات، وتغير توجهاتهن، وتعديل مسارهن إلى المسار الصحيح بإذن الله تعالى.

فهذه امرأة محتسبة: "تساهم بالكتابة في الصحف والمجلات، وتختار ما يناسب المرأة ويبعث فيها إيمانها، ويزكي حياءها، ترد على الشبه، وتشجع المبتدئين أصحاب الخط الواضح، كثير لا يعلم بعملها سوى صديقتها التي تناولها الرسائل ليبعث بها الأخ إلى البريد" (غراس السنابل، ص20).

وهذا ميدان فرط فيه الرجال -وللأسف- الرجال قبل النساء، فقلة قلية هم الذين طرقوا هذا الميدان، وقاموا بواجب الحسبة بالكتابة والبيان، وإقامة الحجة.

تاسعا: الشبكة العنكبوتيه "الإنترنت":فهذا ميدان له عدة مزايا، من أهمها:
1- مخاطبة أكبر عدد من النساء، فالمحتسبة تخاطب النساء في شتى بقاع الأرض.
2- حرية الخطاب، فالمحتسبة تخاطب الجمهور بحرية تامة. وغير ذلك من المزايا.
وتكون الحسبة في هذا الميدان من خلال المناقشات العلمية، والحوارات الهادفة، والردود العلمية النافعة، مع التقيد بالضوابط الشرعية في ذلك.

وأخيرا: "أهل مكة أدرى بشعابها" كما يقال، فالمرأة المحتسبة أدرى بالميادين التي يمكنها أن تحتسب فيها، وأن ينفع الله بها، بل عليها أن تكون كالغيث أينما حلت نفعت، وحيثما رأت منكرا غيرت، وحيثما رأت معروفا تُرك حثت عليه ورغبت.

وفق الله نساءنا المحتسبات إلى القيام بهذه المسؤولية، ونفع بهنَّ الإسلام والمسلمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • 5
  • 2
  • 3,651

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً