الذنوب قنطرة البلايا

منذ يوم

كل ما يُصيب المرء من تبدّل في حالٍ، أو ضيق في أمر، أو جفاءٍ في قلب، أو تغيّرٍ في أهل، إنما مردّه إلى ذنبٍ أذنب، وجريرةٍ بينه وبين ربّه لم يُمحَ أثرها بعد.

كم من كلمة جرت على لسان عارف بالله، فكانت للقلوب غذاء، وللأرواح دواء، وللسائرين إلى ربهم مصباحًا يهتدون به في ظلمات الطريق، وصبغةً من نورٍ وهداية.

ومن تلك الكلمات الخالدة؛ قول الفضيل بن عياض رحمه الله: «إني لأعصي الله، فأجد ذلك في خُلُق زوجتي ودابتي».

وهي كلمة لو استقرت في وجدان المسلم؛ لكانت له مِرقاةً إلى التوبة، وزاجرًا عن الغفلة، ومفتاحًا لصلاح الحال وسعادة المآل.

لأنها كلمة تهزّ النفس من أعماقها، وتفتح عليها بابًا من أبواب الحقائق الكبرى: أن كل ما يُصيب المرء من تبدّل في حالٍ، أو ضيق في أمر، أو جفاءٍ في قلب، أو تغيّرٍ في أهل، إنما مردّه إلى ذنبٍ أذنب، وجريرةٍ بينه وبين ربّه لم يُمحَ أثرها بعد.

وياله من معنى عظيم: أن يرجع المرء باللائمة على نفسه عند كل بلاءٍ يطرق بابه، أو ضيقٍ يلمّ به، أو قلبٍ يتنكّر له، أو طاعةٍ تفوته، أو أهلٍ يتغيّرون عليه. 

هنالك لا يلتمس الأعذار في الناس، ولا يلقي بالتبعة على الظروف، بل يفتش في خبايا قلبه عن ذنبٍ خفيٍّ أحدث عليه ما يكره. وهل في كتاب الله شاهد أصدق من قوله تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} ، وقوله: {من يعمل سوءًا يُجز به} ؟

وهذا هو السرّ الذي فهمه السلف؛ فما رأوا حادثًا يطرأ عليهم؛ إلا ردّوه إلى نفوسهم، وما نزلت بهم بليّة إلا قالوا: هذا بما كسبت أيدينا. 
فهكذا كان دأب السلف؛ قلوب يقِظة، وضمائر حيّة، لا تترك حادثًا عارضًا دون أن تردّه إلى الذنب. 

و لقد رُوي أن أحدهم نبح عليه كلب على غير عادته، فقال: (ما نبح عليّ هذا الكلب إلا بذنب أحدثتُه). ثم استغفر واسترجع، فما لبث أن سكن الكلب. أيّ قلب هذا الذي يقرأ في نباح الحيوان صحيفةَ ذنوبه؟!

ومن هنا تتجلّى عظمة الاستغفار، فهو التِّرسُ ضد المصائب، والملجأ من البلايا، والدَواء لكل علةٍ تنشأ من الذنوب
فالذنوب أصل الشرور، ومصدر البلايا، وما على وجه الأرض كربٌ ولا همّ إلا وهو من جرّائها. 
و العبد إذا أكثر من الاستغفار، ولاذ بربه؛ وجد الله غفورًا رحيمًا، يرفع عنه أثقال الذنوب، ويقيه شرورها وعواقبها.

فليكن لك – أيها السائر – في هذا المعنى زادٌ لا ينفد، فإذا وجدت قلبك يتنكّر، أو دنياك تتعسّر، أو أهلك يتغيّرون، فلا تفتّش عن علل الناس، بل فتّش عن ذنبك أنت؛ فإذا وقفت عليه سارعت إلى الاستغفار والتوبة، تطرق بهما أبواب السماء، حتى تُفتَح لك، وتجد ربك كما أخبر: «غفورًا رحيمًا». 

فإن الطريق إلى الراحة أن تضع إصبعك على جرحك، لا على جراح الآخرين، ثم تبكي على خطيئتك بين يدي ربك، وتقول: (ربّ اغفر لي، وتب علي، إنك أنت التواب الرحيم).
فإن فعلت ذلك؛ وجدت السكينة تهبط عليك كما تهبط الرحمة على قلوب المخبتين.

  • 2
  • 0
  • 91

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً