وعد الله بنصر المؤمنين

منذ ساعتين

{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}

 

قال الله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51].

أي: إنا لننصر رسلنا والمؤمنين الكاملي الإيمان في الحياة الدنيا على أعدائهم بالغلبة إن قاتلوهم، وبالحجة إن ناظروهم، وبالانتقام منهم إن قتلوهم وظلموهم. وينصر الله رسله والمؤمنين يوم القيامة بإثابتهم وتعذيب أعدائهم، حين يشهد الملائكة الحفظة والأنبياء والمؤمنون بأعمال العباد، ويشهد مؤمنو هذه الأمة على الأمم السابقة بأن رسلهم قد بلَّغتهم رسالات ربهم.

يُنظر: ((تفسير ابن جرير)) (20/ 344، 345، 346)، ((تفسير الرازي)) (27/ 524)، ((تفسير البغوي)) (4/ 115)، ((تفسير القرطبي)) (15/ 322)، ((مجموع الفتاوى)) لابن تيمية (15/ 194)، ((إغاثة اللهفان)) لابن القيم (2/ 182، 183)، ((تفسير ابن كثير)) (7/ 150، 151)، ((تفسير ابن عجيبة)) (5/ 141)، ((تفسير السعدي)) (ص: 739)، ((التحرير والتنوير)) لابن عاشور (24/ 168).

آيات قرآنية بمعنى هذه الآية الكريمة:

 قال تعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} [الأنعام: 34].

وقال سبحانه: {{إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا}} [التوبة: 40].

وقال عز وجل: { {إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا} } [الحج: 38].

وقال تبارك وتعالى: {{وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}} [النور: 55].

وقال جل وعز: {{وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}} [الروم: 47].

وقال عز من قائل: {{وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} } [الصافات: 171 - 173].

وقال تبارك وتعالى: {{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} } [محمد: 7].

وقال جل جلاله: {{كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ}} [المجادلة: 21].

أحاديث نبوية بمعنى هذه الآية الكريمة:

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «((إن الله قال: من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب))» [رواه البخاري (6502)]    

وعن ثوبان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «((لا يزال طائفة من أمتي على الحق منصورين، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله عز وجل))» . [رواه ابن ماجه (10) بإسناد صحيح، وأصله في صحيح مسلم (1920)]

وعن أبي بن كعب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «((بشر هذه الأمة بالسَّناء، والرفعة، والنصر، والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا، لم يكن له في الآخرة نصيب))» [رواه أحمد في مسنده (21220)، وصححه الحاكم في المستدرك (7862)، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني في التعليقات الحسان على صحيح ابن حبان (406)، وحسنه الأرناؤوط] .

أقوال بعض العلماء في معنى هذه الآية الكريمة:

عن السدي في قول الله: «{إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} قال: (قد كانت الأنبياء والمؤمنون يقتلون في الدنيا وهم منصورون، وذلك أن تلك الأمة التي تفعل ذلك بالأنبياء والمؤمنين لا تذهب حتى يبعث الله قوما فينتصر بهم لأولئك الذين قَتَلوا منهم)» . [رواه ابن جرير في تفسيره (20/ 344، 345)]

وقال الواحدي: (النصر قد يكون بالحجة، ويكون بالغلبة والقهر، ويكون بإهلاك العدو، وكل هذا قد كان للأنبياء والمؤمنين من قِبَل الله تعالى، فهم منصورون بالحجة على من خالفهم، وقد نصرهم الله بالقهر على من ناوأهم، وقد نصرهم بإهلاك عدوهم، وأنجاهم مع مَنْ آمن معهم، وقد يكون نصرٌ بالانتقام لهم، كما نصر يحيى بن زكريا لما قُتِل، حتى قُتِل به سبعون ألفا، فهم لا محالة منصورون في الدنيا بأحد هذه الوجوه) ((الوسيط)) (4/ 17، 18). وينظر: ((تفسير ابن الجوزي)) (4/ 41)، ((تفسير أبي حيان)) (9/ 264).

وقال الزمخشري: (وإن غُلِبوا في الدنيا في بعض الأحايين امتحانا من الله فالعاقبة لهم، ويتيح الله من يقتص من أعدائهم ولو بعد حين) ((الكشاف)) (4/ 172).

وقال ابن تيمية: (الله تعالى قد يديل الكافرين على المؤمنين تارة كما يديل المؤمنين على الكافرين. كما كان يكون لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم مع عدوهم لكن العاقبة للمتقين، .. وإذا كان في المسلمين ضعف، وكان عدوهم مستظهرا عليهم، كان ذلك بسبب ذنوبهم وخطاياهم؛ إما لتفريطهم في أداء الواجبات باطنا وظاهرا، وإما لعدوانهم بتعدي الحدود باطنا وظاهرا) ((مجموع الفتاوى)) (11/ 645).

وقال ابن تيمية أيضا: (سنة الله وعادته في نصر عباده المؤمنين إذا قاموا بالواجب على الكافرين وانتقامه وعقوبته للكافرين الذين بلغتهم الرسل بعذابٍ من عنده أو بأيدي المؤمنين هي سنة الله التي لا توجد منتقضة قط) ((الرد على المنطقيين)) (ص: 390).

وقال ابن القيم: النصر والتأييد الكامل إنما هو لأهل الإيمان الكامل، فمن نقص إيمانه نقص نصيبه من النصر والتأييد، ولهذا إذا أصيب العبد بمصيبة في نفسه أو ماله، أو بإدالة عدوه عليه، فإنما هى بذنوبه، إما بترك واجب، أو فعل محرم وهو من نقص إيمانه. كثير من الناس يظن أن أهل الدين الحق يكونون في الدنيا أذلاء مقهورين مغلوبين دائما، بخلاف من فارقهم إلى سبيل أخرى وطاعة أخرى، فلا يثق بوعد الله بنصر دينه وعباده، بل إما أن يجعل ذلك خاصا بطائفة دون طائفة، أو بزمان دون زمان أو يجعله معلقا بالمشيئة، وإن لم يصرح بها. وهذا من عدم الوثوق بوعد الله تعالى، ومن سوء الفهم في كتابه. والله سبحانه قد بين في كتابه أنه ناصر المؤمنين في الدنيا والآخرة. وهذا كثير في القرآن. وقد بين سبحانه فيه أن ما أصاب العبد من مصيبة، أو إدالة عدو، أو كسر، وغير ذلك فبذنوبه. ((إغاثة اللهفان من مصايد الشيطان)) (2/ 182، 183).

محمد بن علي بن جميل المطري

دكتوراه في الدراسات الإسلامية وإمام وخطيب في صنعاء اليمن

  • 0
  • 0
  • 24

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً