دفء القلوب
كثيرٌ من الناس إذا أصابه الحزنُ، أو لامست روحه نيرانُ الهمِّ، آوى إلى بيته، وأغلق عليه الأبواب، كأنما يريد أن يختبئ من العيون ومن ضوء النهار، يضع بينه وبين العالم ستارًا كثيفًا.
أ - محمد ونيس
كثيرٌ من الناس إذا أصابه الحزنُ، أو لامست روحه نيرانُ الهمِّ، آوى إلى بيته، وأغلق عليه الأبواب، كأنما يريد أن يختبئ من العيون ومن ضوء النهار، يضع بينه وبين العالم ستارًا كثيفًا.
كأنَّ الحزنَ عيبٌ يُستحى منه، أو ضعفٌ يخاف أن يُفتضح، فيلوذ بالصمت، ويستجير بالوحدة، ويظنّ أن في العزلة شفاءً لما يعتلج في صدره من أنين.
وما علم أن القلبَ إذا خلا من الأُنس اشتدّ عليه أنينه، وأنّ الوحدة لا تُسكِتُ وجعًا، بل تُنصِتُ له حتى يشتدّ صوته في الأعماق!
إنَّ الانطواء لا يُطفئ نارَ الحزن، بل يُذكيها، ولا يُسكِت ألمَ الجراح، بل يُعمِّقها، ولا يُغلق بابَ الهمّ، بل يفتحه على مصراعيه.
فلو خرج صاحبُ الحزن إلى الناس، لربّما لقيَ قلبًا رحيمًا يربت على كتفه، فينساب الدفء في عروقه كما ينساب النسيم في غصنٍ ذابل.
وربّ كلمةٍ حانيةٍ تمسح عن وجهه غبارَ الهمّ، أو نظرةٍ صادقةٍ تُعيد إليه ما ظنّه مات من أمله، أو ابتسامةٍ من غريبٍ تُوقظ في روحه معنى الحياة من جديد.
الحياةُ يا صاحبي لا تُشفى بالفرار منها، ولكن بالمضيّ فيها.
لا تُنقِذنا الظلال، بل تُنقِذنا الشمسُ وإن أحرقت وجوهَنا بضيائها.
وما الإنسانُ إلا كالشجرة، تُربّيها العواصف، وتسقيها الأمطار، وتُزهرها الجراح.
فمَن لم تمرّ عليه ريحُ الحزن، لم يعرف عبيرَ الفرح، ومَن لم تُمزّقه التجارب، لم يتعلّم كيف يُرمِّم القلوبَ المكسورة من حوله.
فلا تأسَ إن مرّت بك سحابةُ همٍّ سوداء؛ فربّ مطرٍ بعدها يُنبت في روحك ربيعًا من الرضا، ولا تبتئس إن خذلك الناس؛ فربّ خذلانٍ أنقذك من طريقٍ لم يكن لك فيه خير.
واعلم أنّ ليلَ الحزن مهما طال، فإنّ وراءه فجرًا لا يُخطئ موعده، وأنّ الله يُخبّئ في جوف البلاء رحماتٍ لا تُرى، لكنها تُثمر في القلب طمأنينةً لا تزول.
ليس العيبُ أن تحزن، ولكن العيبَ أن تُسلِم نفسك لليأس، وتُغلِق بابك في وجه الذين أودع الله في قلوبهم دفءَ الرحمة.
إنَّ في الناس أرواحًا من نورٍ تمشي على الأرض لتُضيءَ عتماتِ القلوب، لا تحمل ذهبًا ولا مالًا، ولكنها تحمل كلمةً صادقةً تُنعِش ما مات من الأمل.
فإذا حزنتَ، فابحث عنهم — عن أولئك الذين إذا نظروا إليك، ذكّروك بالله، وإذا تكلّموا، غسلوا جرحك بالصدق والدعاء.
ولا تخجل من دمعتك، فإنّها ليست ضعفًا، ولكنها لغةُ القلوب التي تعرف طريقها إلى السماء.
فيا لَدفءِ القلوبِ إذا صدقت، ويا لَرحمةِ المواساةِ إذا نبتت في أرض الإخلاص!
إنّ الحزنَ وإن أوجع، يُذكّرنا أنّ لنا قلبًا ما زال حيًّا، وأنّ في أعماقنا إنسانًا لم تقتله الأيامُ بعد.
إنّ ألمَ الحزن يبقى بابًا تُقبِل منه النفسُ على ربّها خاشعةً مستسلمة، فتخرج من البلاء أصلبَ إيمانًا، وأرقَّ قلبًا، وأقربَ إلى الله.
- التصنيف: