الأخ قبل المال

منذ يوم

المال متقلّب لا يؤمَن له، وأن الإخاء الصادق سند بعد الله عند الشدائد، وأن الإحسان الحق ما جمع بين العطاء وحسن النصيحة، وأن حفظ المعروف دليل على علو النفس وكرمها

يقول الراوي:
توفي أبٌ وخلّف تركةً كبيرة، اقتسمها ولداه. دخل كبيرهما بحسن توكل على الله وقوة عزيمة عالمَ العقار، فبارك الله له في ماله، وفتح عليه أبواب الرزق حتى غدا من أهل اليسار.

 وأما صغيرهما فأهمل ماله، وأنفقه بغير تدبير حتى نفد، فالتحق بوظيفة لا تقوم بحاجات أسرته، ثم اضطر إلى الاستدانة فاشترى سيارة أجرة يعمل عليها ، بعد أن يخرج من وظيفته، في أول الليل وتالي النهار، وتمضي به الأيام دون أن تتحسن أحواله.

وفي يومٍ من الأيام زاره أخوه الكبير إلى مدينته، فسأله عن حاله، فقصّ عليه ما يعانيه من شظف العيش وضيق الحال، فكتب له شيكًا بمليوني ريال سعودي، وقال له: دع عنك سيارة الأجرة، واشتغل بالعقار، وارضَ بالقليل، وأكثر من التدوير، ولا تنفق على نفسك إلا من أرباحك. 

ومنذ ذلك اليوم دخل الأخ الصغير عالم العقار، سائلا ربه اليسار، وكله عزم وتصميم، فانفتحت عليه أبواب الرزق، وأصبح خلال فترة ليست بالطويلة من الأسماء اللامعة في مدينته في هذا المجال.

ومضت الأيام، وواصل الأخ الكبير تجارته، حتى عُرضت عليه صفقة كبيرة، فجمع لها ما أمامه وما خلفه، بل ورهن بيته ليؤمّن رأس مالها، غير أنه دخل مجالًا لا يحسنه، فخسر ماله كله في وقتٍ قصير. 

فبلغ الخبر بعد برهة من الزمن أخاه في المدينة الأخرى، فسافر إليه، وقبل أن يلقاه قصد صاحب الرهن وفكّ رهن بيت أخيه، ثم دخل عليه يواسيه ويخفف عنه مصابه.

وقبل أن يغادره أقسم عليه أن يأخذ منه نصف ماله، وقال: في حسابي سبعون مليون ريال، لي نصفها وهو كثير عليّ، ولك نصفها وهو قليل عليك. فأبى الأخ الكبير، فغلّظ عليه الأيمان وحوّل المبلغ إلى حسابه من دون موافقته، مذكّرًا إياه بسابق فضله وجميل نصحه ووقوفه معه في بداية طريقه.

وبدأ الأخ الكبير من جديد، ففتح الله عليه، بفضل الله أولًا، ثم بوقفة أخيه وحفظه للجميل.

وهكذا تعلّمنا هذه القصة أن المال متقلّب لا يؤمَن له، وأن الإخاء الصادق سند بعد الله عند الشدائد، وأن الإحسان الحق ما جمع بين العطاء وحسن النصيحة، وأن حفظ المعروف دليل على علو النفس وكرمها، وأن التواضع عند الأخذ والعزة عند العطاء يحفظان المودة ويعمقان الإخاء، وأن من كان لأخيه عضدًا كان الله له عونًا وسندًا عند الكروب، وفي أوقات الشدائد.
والله الهادي

  • 1
  • 0
  • 88

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً