الرفيق قبل الطريق
قال الأجداد في سالف الزمان: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، والصاحب الوفي شقيق الروح، وصاحب المعروف لا يُلحق.
قال الأجداد في سالف الزمان: الجار قبل الدار، والرفيق قبل الطريق، والصاحب الوفي شقيق الروح، وصاحب المعروف لا يُلحق.
وحكمٌ كهذه لا تُحفظ وتتجذر إلا إذا جسدتها المواقف وتحولت إلى واقع معاش، ورواها السابق للاحق.
ومن القصص التي تجسد هذا المعنى، ويتناقلها الرواة، أن رجلين من خيار أهل نجد، تآخيا في الله تعالى على صدق ووفاء، وقررا أن يكون اجتماعهما في السراء والضراء.
وكان أحدهما من أهل الحاضرة، يعتاش من الفلاحة ويقوم على الزرع، وكان الآخر من أهل البادية، يتكسب من رعي الماشية وتجارة الأنعام.
فإذا نزل الضيق بأحدهما، قصد صاحبه فأعانه وشد من ازره، وبحث له عن باب رزق، حتى صارت صحبتهما مضرب مثل بين الناس.
ودارت السنون وهما في خير حال، حتى شاء الله أن تمر على منطقتهم سنوات عجاف؛ قلّ فيها المطر، وجفّ الضرع، ويبس الزرع، وتلاشت مناطق الرعى، فضاقت الأحوال، واشتدت بالناس الحاجة.
فاجتمع الصديقان، وتبادلا الرأي، ثم عزما على الرحيل مترافقين في طلب الرزق إلى بلاد الشام.
وكان من لا يملك راحلة آنذاك يمشي على قدميه، فشدّا الرحال، وقطعا منازل الطريق مشيًا على الأقدام.
وقبل أن يصلا إلى دمشق بأربعة مراحل، شاء الله أن تنكسر ساق صاحب الحاضرة حين قفز قفزة من فوق صخرة، فعجز عن المشي.
فقال لصاحبه صاحب البادية: اجعلني على طريق القوافل، وسأعود مع أول قادم إلى أهلي بإذن الله تعالى، وأنت واصل سفرك، لعل الله يفتح عليك في الشام باب خير وسعة.
فأبى صاحب البادية ذلك غاية الإباء، وقال: والله لا يكون هذا، فنحن في الشدة إخوة كما كنا في الرخاء.
فشدّ ساق صاحبه بعصابة، وحمله على ظهره هو ومتاعهما، فإذا أجهده السير وقف ليستريح، ثم عاد فحمله ومضيا.
واستمرا على تلك الحال يومين كاملين، حتى بدت لهما مضرب خيام عرب في ناحية من الصحراء.
فنزلوا على صاحب أقرب خيمة، فهشّ لهما وبشّ، وقام بواجب الضيافة، واستدعى طبيبًا كان عندهم، فجبر كسر صاحب الحاضرة، وقرر الطبيب أنه يحتاج إلى راحة لا تقل عن شهرين.
فقال صاحب الحاضرة، لصاحبه: امضِ الآن في طريقك فخلفك أسرة وأبناء، وسأمكث عند هؤلاء الكرام حتى أتعافى، ثم أنظر في أمري.
فأبى صاحب البادية غاية الإباء، وأقام معه، يخدمه ويتفقده، حتى منّ الله عليه بالعافية بعد أكثر من شهرين.
وبعد تمام العافية، تشاورا، وقررا العودة إلى بلدتهم للاطمئنان على أهاليهم، فوجدوا عند عودتهم أن الله قد فرّج عن الناس، فهطلت الأمطار، وتحسنت الأحوال.
ومضت الأيام، حتى شاء الله أن تمرض زوجة صاحب البادية، فانشغل بتمريضها والقيام على صغاره، ثم شاء الله أن يسترد وديعته، فتوفيت، وخلّفت له صغارًا، فثقلت عليه الأعباء، وضاقت به السبل، وعظمت به الحاجة.
فعزم على الرحيل إلى أخيه صاحب الحاضرة، ليضع أولاده عنده، ثم يتوجه إلى الشام لطلب الرزق.
فلما وصل إليه، هشّ له وبشّ، وأحسن ضيافته غاية الإحسان.
وحين قصّ عليه خبره، عزّاه وقال: الضيافة ثلاث، وبعدها نتشاور في الأمر.
وكان لصاحب الحاضرة ابنة واحدة، ربّاها خير تربية، وأحسن تأديبها أفضل تأديب.
فعرض عليها أن يزوجها من أخيه صاحب البادية، فقبلت راضية محتسبة.
ثم أخبر صاحب البادية بعزمه، فوافق شاكرًا.
فكان الزواج، وأقام الزوجان في بيت أبيها أيامًا، ثم استأذن صاحب البادية أن يعود بزوجه وأولاده إلى مضارب قومه، فأذن له، وزاده فوق ذلك عشرين ريالًا من الفضة ليبدأ بها تجارته.
فقال: لقد حملتني من المعروف ما لا أطيق، ولا قدرة لي على رده.
فقال صاحب الحاضرة: والله ما كافأتك بربع ما صنعت بي، فصاحب المعروف الأول لا يُلحق.
فبارك الله له في زوجه وتجارته، واتسعت حاله، ورزقه الله منها بنين وبنات.
وهكذا تبقى الصحبة الصادقة الخالصة لوجه الله تعالى رأس مال لا يفنى، وذخرا لا ينفد، ويبقى الوفاء دينًا مردودًا لدى الرجال الكرماء، والله لا يضيع أجر المحسنين.
والله الهادي.
- التصنيف: