القلق المجهول

منذ ساعتين

من أثقل ما يطحن الإنسان أن يشعر بالهمّ دون أن يعثر له على اسم، القلق الذي بلا عنوان يستنزف الروح أكثر من المصائب الواضحة، إذ تُقاتل النفس ظلًّا لا ترى حدوده

من أثقل ما يطحن الإنسان أن يشعر بالهمّ دون أن يعثر له على اسم، القلق الذي بلا عنوان يستنزف الروح أكثر من المصائب الواضحة، إذ تُقاتل النفس ظلًّا لا ترى حدوده، وتتسع مساحة الخوف كلما غاب السبب، والقلق الذي لا تستطيع تفسيره يشبه وخزًا في الروح: ألمٌ بلا موضع، وتعبٌ بلا جرح.

القلق المجهول يجعل النفس في خصومةٍ مع “شيء” لا تستطيع أن تشير إليه، فتتسع دوائر الخوف لأن العقل يكره الفراغ ويملؤه بالاحتمالات، وغالبًا ما يكون هذا القلق ابنَ تشوّش الداخل لا قسوة الخارج؛ فالمشكلة ليست في كثرة الأحداث بقدر ما هي في غياب المعنى الذي يرتّبها. لذلك يبدأ العلاج حين يتحول الإحساس إلى فهم: أن تُسمّى الهواجس بلا تجميل، وأن تُكتب المشاعر لتخرج من ضباب الصدر إلى وضوح الورق، وهذا النوع من القلق كثيرًا ما يولد من ازدحامٍ داخلي: مسؤولياتٌ متراكمة، ومقارناتٌ صامتة، ومداخل يومية تُدخِل إلى القلب ضجيجًا ثم تطلب منه سكينة! 

وأول مفاتيحه أن يتوقف المرء عن الهروب إلى الملهيات، وأن يمنح نفسه لحظة إنصاتٍ عميقة تُعرّف ما في الداخل بدل أن تخدّره، ثم يثبت لنفسه “عمودًا” يوميًا من ذكرٍ وصلاةٍ حاضرة تعيد ترتيب القلب، ثم يخفف أحماله بميزانٍ عادل: ما كان واجبًا أُقيم، وما كان فضولًا أُسقط، فالقلب لا يضيق بالحياة كما يضيق بالفوضى، ولا يهدأ بكثرة الحلول كما يهدأ بحسن التوكل وصدق الوجهة. 

____________________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء

  • 2
  • 0
  • 26

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً