التسليم عبادة العقل
أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل ألزمتُ العقل الإذعان للقدر، فكان من أصعب التكليف، وخصوصاً في ما لا يعلم العقل
لا يكن عبد المطلب أقوى منك في الإيمان بالقضاء والقدر، إذ قال في غزو أبرهة لمكة:
لاهُمَّ إن العبد يمنع رحله فامنع حلالك
لا يغلبنَّ صليبُهم ومحالُهم غَدواً مِحالك
إن كنتَ تاركهم وقبلتنا فأمرٌ ما بدا لك
صفة المؤمن أنه يسلّم الأمر إلى الله تعالى ولو لم يعقل معناه، ولو لم يفهم الحكمة منه، لأن الإنسان لا يمكنه إدراك كل الحقائق والكيفيات. وهذا رأس الإيمان، قال تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}.
يقول ابن الجوزي:
(من ظن أن التكاليف سهلة فما عرفها، أيظن الظان أن التكاليف غسل الأعضاء برطل من الماء، أو الوقوف في محرابٍ لأداء ركعتين؟ هيهات! هذا أسهل التكليف.
وإن التكليف هو الذي عجزت عنه الجبال؛ ومن جملته: أنني إذا رأيت القدر يجري بما لا يفهمه العقل ألزمتُ العقل الإذعان للقدر، فكان من أصعب التكليف، وخصوصاً في ما لا يعلم العقل معناه كإيلام الأطفال وذبح الحيوان، مع الاعتقاد بأن المقدِّر لذلك والآمر به أرحم الراحمين، فهذا مما يتحير العقل فيه، فيكون تكليفه: التسليم وترك الاعتراض. فكم بيت تكليف البدن وتكليف العقل)
___________
المصدر: صيد الخاطر ص ٨٢
- التصنيف: