الظلم طريق الإفلاس .. والعدل حياة للناس

منذ 3 ساعات

لقد أمرَنا النبيُّ -ﷺ- بالتحلُّل من المظالم في الدنيا قبل القُدوم على ربِّ العالمين؛ فقال ﷺ «من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عِرضِه أو شيءٍ منه فليتحلَّل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مظلمتِه،...»

ألا فَاسْلُكْ إلى المولَى سبيلًا *** ولا تطلُب سِوَى التقوى دليلَا

ولا تركَن إلى الدنيا، وعـــوِّل *** على مولَاكَ، واجعلَه وكيـــلَا

معاشرَ المؤمنينَ: في ظلِّ ما يعيشُه الناسُ من الإغراق في المادِّيات، وطُغيان المُغْرِيَات، والضجيجِ الصاخِب الذي يطغَى على المعنى اللَّاحِب؛ وما أفرَزَه التعاطِي غيرُ الرشيد مع الأطروحات التأصيليَّة، وكثرة الاختلافات، وقِلَّة الإنصاف عند الخُصومات والمُنازَعات؛ تبرُزُ الحاجةُ إلى العنايةِ بحقوقِ العبادِ، والخروج من مظالمِهِم؛ إذ الإشكالُ أعمَقُ من خلافاتٍ عابِرَةٍ؛ إنه ضَعْفُ الوازِع الدينيِّ، والفراغُ الفكريُّ، والتفكُّكُ الاجتماعيُّ، وغيابُ القيَم والأهدافِ المُثلَى؛ يُولِّدُ أفرادًا لا همَّ لهم إلا الظُّلم وتتبُّعُ الزلَّات بدلَ الانشِغالِ بالبناءِ الإيجابيِّ.

ومن هنا تبرُزُ الحاجةُ إلى التذكيرِ بالوصيَّةِ الجامعةِ التي تعالِجُ هذا الفراغَ من جُذورِه، وتُعيدُ الاعتبارَ للقِيَم العُليا، وأثرِ القُدُوات المُلهِمة، وأهميَّةِ وضوحِ الأهدافِ، واتِّزَانِ الإنسانِ، وتماسُكِ المُجتمعِ؛ مع مُرَاعَاةِ التأصيل الشرعيِّ، ومُعطَيات التأهيل النفسيِّ والاجتماعيِّ والتربويِّ؛ لنُعزِّز رسالةَ الوعيِّ، ونُرسِّخ أثرَ التكوين المُجتمعيِّ.

فلا تعجَلْ على أحدٍ بظُلمٍ *** فإن الظُّلمَ مرتَعُه وَخِيمُ

قال الإمام الماورديُّ -رحمه الله-: والعلَّةُ المانِعةُ من الظُّلم لا تخلُو من أحد أربعةِ أشياء: إمَّا عقلٌ زاجِرٌ، أو دينٌ حَاجِزٌ، أو سلطانٌ رادِعٌ، أو عجزٌ صَادٌّ.

ولذا كثُرَت نُصُوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ الذَّامَّةُ للظُّلمِ وأهلِه؛ لأنَّه أصلُ كلِّ شرٍّ؛ فالظُّلمُ ظُلُمات، ولذا حذَّرَ منه ربُّ الأرضِ والسماواتِ، فقال في الحديث القُدسيِّ: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلَا تَظَالَمُوا» (رواه مسلم)، وقال -جل وعلا-: {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ}[الزُّخْرُفِ: 65].

إخوةَ الإسلامِ: وإنَّ من أشنعِ أنواعِ الظُّلمِ مسلكًا: ظُلمَ العبادِ؛ فتلكَ تشوبُها أشواكٌ داميةٌ، تُفْضِي بصاحبِها إلى الهاوية؛ فكم أَحَقَّ باطلًا، وأزهقَ حقًّا، وأورثَ ضررًا؛ يَفْتُقُ رَتْقًا، ولا يَرْتُقُ فَتْقًا، ويشملُ ذلك الدماءَ والأموالَ والأعراضَ.

وقد صحَّ عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قولُه -عليه الصلاة والسلام-: «إنَّ دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكم حرامٌ، كحُرمةِ يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا».

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون مَنِ المُفلِسُ» ؟. قالوا: المُفلِسُ فينا من لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ. قال: «إن المُفلِسَ مِنْ أُمَّتي مَنْ يأتي يومَ القيامة بصيامٍ وصلاةٍ وزكاةٍ، ويأتي وقد شتَمَ هذا، وقذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا؛ فيُقعَد فيُقْتَصُّ هذا من حسناتِه، وهذا من حسناتِه؛ فإن فنيَت حسناتُه قبل أن يُقضَى ما عليه من الخطايا أُخِذَ من خطاياهم، فُطْرِحَتْ عليه، ثم طُرِحَ في النار» (رواه مسلم).

فتأمَلوا -يا رعاكم الله-: هذا العبدُ قد أتَى بصلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ -أي أدَّى أركان الإسلام-، وقد جاءَ بحسناتٍ كالجبال يرَى أنَّها ستُنجِيهِ؛ ولكنه جاءَ مُحمَّلًا بمظالم العباد جعلَت نهايتَه إلى النار -والعياذُ بالله-.

ولم يذكُرْ هنا شُربَ الخمر -وإن كان ذنبًا عظيمًا وكبيرةً من كبائر الذنوب- ومرتكِبُها تحت المشيئة؛ قد يغفرُ الله له أو يعذِّبُه. لكن المظالم المتعلِّقة بحقوق العباد لا بُدَّ فيها من الوفاء والأداء؛ لأنَّها حقٌّ خاصٌّ، وحقوقُ العباد مبنيَّةٌ على المُشاحَّة لا على المُسامَحة؛ لذلك قال سفيانُ الثوريُّ -رحمه الله-: إنك أن تلقَى الله -عز وجل- بسبعين ذنبًا فيما بينَكَ وبينَه؛ أهونُ عليكَ مِنْ أَنْ تلقاهُ بذنبٍ واحدٍ فيما بينَكَ وبينَ العبادِ.

وقد أفاضَ ابن القيم -رحمه الله- في وصفِ هؤلاء -مع عنايتِهم بحقوقِ الله- فقال: وَقَدْ تَجِدُ أُنَاسًا مِنَ الصَّالِحِينَ لا تكادُ تُخطِئُه صلاةٌ ولا صيامٌ ولا ذِكرٌ ولا دعاءٌ، لكنَّه يَفْرِي في أعراضِ الناسِ فَرْيًا.

وذَكَرَ أن الظُّلمَ ثلاثةُ دَوَاوِين: دِيوانٌ لا يغفِرُ الله منه شيئًا وهو الشرك، ودِيوانٌ لا يترُكُ الله منه شيئًا وهو ظُلمُ العباد بعضهم بعضًا، ودِيوانٌ لا يعبَأُ الله به شيئًا وهو ظُلمُ العبدِ نفسَه فيما بينَه وبينَ ربِّه.

يا ظالمًا جارَ فيمن لا نصيرَ لـه *** إلا المُهيمِنُ لا تغترَّ بالمهَـــــــلِ

غدًا تموت ويقضِي الله بينكُما *** بحِكمة الحقِّ لا بالزيغِ والحِيَلِ

إخوةَ الإيمانِ: لقد أمرَنا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالتحلُّل من المظالم في الدنيا قبل القُدوم على ربِّ العالمين؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «من كانت له مظلمةٌ لأخيه من عِرضِه أو شيءٍ منه فليتحلَّل منه اليوم قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم؛ إن كان له عملٌ صالِحٌ أُخِذَ منه بقدرِ مظلمتِه، وإن لم تكن له حسناتٌ أُخِذَ من سيِّئات صاحبِه فطُرِحَت عليه، ثم طُرِحَ في النار» (رواه البخاري).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قال في مُؤمنٍ ما ليس فيه أسكنَه اللهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ يومَ القيامةِ حتى يخرُجَ بنفاذ مَا قال» (أخرجَه أبو داود بسندٍ صحيحٍ).

فاحذَروا -عبادَ اللهِ- كلَّ الحذَرِ من الاعتِداء على حقوق الناس وإيذائهم؛ وتحلَّلوا من كل من بَخَسْتُمُوه حقَّه قبل ألا يكون دينارٌ ولا درهم؛ فالأمرُ جِدٌّ خطيرٌ.

إلى ديَّان يوم الدين نمضِي *** وعند الله تجتَمِعُ الخُصوم

ولقد دعَا النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بالرحمة لمن تعجَّلَ في التحلُّل من أخيه حتى لا تُؤخَذ منه حسناتُه يومَ القيامةِ، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «رَحِمَ اللهُ عبدًا كانت لأخيه عنده مظلمةٌ في عِرضٍ أو مالٍ فجاءه فاستحلَّه قبل أن يُؤخَذ وليسَ ثَمَّ دينارٌ ولا درهمٌ» (رواه الترمذي).

وكفى بالظلم تنفيرًا، وللظالمين زجيرًا: أنَّه جاء في القرآن مُرادفًا للشرك -والعياذ بالله-.

ومن المظالم التي اشْرَأَبَّتْ بأعناقِها، وذَرَّت بِقَرْنِها في عصر التِّقانة والرقمَنة: ما يُروَّجُ عبر بعض مواقع التواصُل الاجتماعيّ من سماسِرة وقراصِنة العقول ومُروِّجي الإرهاب الفكري؛ وكذا الاسترسالُ في الغيبة والنميمة للبرآء، والكذب والبُهتان، والحسد والبغضاء، والغِلِّ والشَّحناء، والفُجور في الخصومة، وهذا من أَبْيَنِ الظلم وأعظمِه، وأظلمِه وأشأَمِه؛ وعلى فاعلِه المُسارعةُ بالتحلُّل منه قبلَ ألا يكونَ دينارٌ ولا درهمٌ.

ألَا فاتقوا اللهَ -عبادَ اللهِ-، واعمَلُوا قبلَ فواتِ الأوان بحُلول هادِمِ اللذَّات ومُفرِّق الجماعات؛ فتندمون حيثُ لات ساعةَ مَنْدَم للخروجِ من مظالم العباد، وأذَاهم حِسًّا ومعنًى، قولًا وفعلًا؛ «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا»[الْأَحْزَابِ: 58].

 

إخوةَ الإيمانِ: وفي هذه الآوِنَة مِنْ أعقابِ الزمنِ، انتشَر ظُلمٌ عظيمٌ عَمَّ وطَمَّ؛ وهو ما تعيشُه بعضُ الشعوب المُستضعَفَة من ظُلمٍ جماعيٍّ؛ كالشعب الفلسطينيِّ الأبيِّ، وأكناف المسجد الأقصَى، وبَيْت الْمَقدسِ؛ حيث يُعانُون الحِصارَ والدمار، والتشريدَ والتقتيلَ، والنُزوحَ والتهجيرَ، والتنكيل من العدوِّ الصهيونيِّ الغاشِم؛ لا سيَّما وقد حلَّ بهم موسمُ الشتاءِ القارِس، وعضَّهم زمهريرُه بنابِه القارِص، ونسألُ الله أن يرفعَ الظُلمَ عن المُستضعَفينَ والمظلومينَ في كلِّ مكانٍ؛ وأن يُنزِلَ عليهم من دِفءِ لُطفِه ورحمتِه ما يُؤَمِّنُ خائِفَهم، ويُطعِمُ جائِعَهم، ويكسُو عارِيَهم، ويرفعُ الضُّرَّ والظُّلمَ عنهم، ويُقوِّي ضَعْفَهم، ويجبُرُ كسرَهم بمنِّه وكرمِه.

                

  • 0
  • 0
  • 27

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً