قدوم شعبان وبركة العبادة في الوقت المغفول عنه
العناصر الأساسية : العنصر الأول : قدوم شهر شعبان وبركة الأيام. العنصر الثاني : وقت الغفلة وثواب الحسنة. العنصر الثالث : بركة العمل في وقت الشدة. العنصر الرابع :تسامحوا وتراضوا يرحمكم الله.
أما بعد: فيقول رب العالمين سبحانه وتعالى : {{مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُوا عَن رَّسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ، وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }}
وفي الصحيح من حديث عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « " الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لَهُ أَجْرَانِ "» .
أيها الإخوة الكرام قبل أيام معدودة أقبل علينا شهر شعبان نسأل الله العظيم أن يبارك لنا في شعبان وأن يبلغنا رمضان لا فاقدين ولا مفقودين ..اللهم آمين.
قال أسامة بن زيد: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: ««ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»»
بعيداً عن أن شهر شعبان شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله تعالى..
يأتينا وصف النبي صلى اللّه عليه وسلم لشهر شعبان بأنه شهر (مغفول عنه )
ومعنى (مغفول عنه) شرحه رسول الله بأن سبب الغفلة عنه وقوع شهر شعبان بين شهر (رجب) وهو شهر من الأشهر الحرم، وبين شهر (رمضان) وهو شهر الصيام والقيام..
وكأن الهمم تقعد بالناس في شعبان فلا يأتون فيه بمثل ما أتوا به في (رجب) ولا يأتون فيه بمثل ما يأتون به في (رمضان) ..
وهنا يحضر الحديث عن عظم ثواب العبادة في وقت الغفلة..
ثواب العامل في وقت الغفلة عظيم بسبب أن العامل لا يجد على فعل الصالحات أعوانًا يعينوه ولا رفقاء يحمسوه ..
قال النبي عليه الصلاة والسلام « «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ، رَجُلٌ أَتَى قَوْمًا فَسَأَلَهُمْ بِاللهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ بِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ فَأَعْطَاهُ سِرًّا لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَتَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ، نَزَلُوا فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ رجل منهم يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقَوْا الْعَدُوَّ فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ رجل بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يَفْتَحَ اللهُ لَهُ»»
ثواب العامل للصالحات والطيبات في وقت الغفلة كبير لأن العامل في وقت الغفلة يرى نفسه وحيداً فريداً لا يؤنسه أحد فيتسلط عليه الشيطان لأن الشيطان إلى الواحد أقرب ..
ومع كون العامل وحيداً (يصوم وحده، ويقوم وحده، ويبذل المعروف وحده) فيتسلط عليه الشيطان ومع تسلط الشيطان عليه يكون اكتساب العمل الصالح ثقيلاً ويكون العمل شاقاً وكلما كان العمل ثقيلاً وشاقاً كلما كان العمل أعظم أجرأ..
الدليل : قول الله تعالى: {{وَمَا لَكُمْ أَلَّا تُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ}}
قال قتادة رحمه الله عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد : {{ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ} }
قال : كان قبل الفتح وبعده قتالان أحدهما أفضل من الآخر ، وكان قبل الفتح وبعده نفقتان إحداهما أفضل من الأخرى..
كان القتال والنفقة قبل فتح مكة أفضل من القتال والنفقة بعد الفتح وأعظم أجراً..
قال المفسرون: وإنما كان القتال في سبيل الله قبل الفتح أعظم أجراً، وكانت النفقة في سبيل الله قبل الفتح أعظم أجراً لأن حاجة الإسلام إلى من يحرسه وإلى من يدافع عنه قبل الفتح كانت أكبر، وحاجة الناس قبل الفتح إلى من ينفق عليهم ويواسيهم..
فكان القتال في سبيل الله قبل الفتح أشق لضعف الإسلام قبل الفتح، وكانت النفقة في سبيل الله أشق لشدة حاجة الناس.. ومن المقرر شرعاً أن الثواب على قدر جهد الإنسان ونصبه..
{{ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَـٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ}}
قال مقاتل رحمه الله : نزلت هذه الآية في أبي بكر رضي الله عنه لأن أبا بكر هو أول من أسلم وهو أول من أظهر الإسلام بعد النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ، وأول من أنفق ماله عن طيب نفس في سبيل الله أبو بكر..
لذلك لا يعدل إيمان أحد إيمان أبي بكر، ولا يعدل أحدهم درجة أبي بكر، لأنه في وقت الشدة وفي وقت الجهد سبق الجميع ..
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « " مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلَّا وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ، فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا ؛ لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، أَلَا وَإِنَّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ اللَّهِ "» .
العمل الصالح في وقت الغفلة أعظم أجراً لأنه يأتي على غير هوى النفس..
فالنفس تهوي الكسل، النفس تهوى ترك العمل، النفس تتأثر بغفلة الغافلين، وتهوى النفس أن تخلد إلى الأرض..
فإذا الإنسان نشط وقام للعمل والذكر والشكر في ذلك الوقت وجاهد على ذلك كافئه ربه فعظّم أجره..
ولذلك كانت الصلاة في جوف الليل أعظم أجراً، والسبب أنها تكون في ساعة غفلة، فعندما تغور النجوم، وتسكن الجفون وتنام العيون، الصلاة في ذلك الوقت أعظم أجراً..
قال الله تعالى: { ﴿ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ، فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾}
في حديث النبي عليه الصلاة والسلام بيان أن خير بلاد الله المساجد.. وذلك أن المساجد بيوت الله في الأرض فيها الصلاة وفيها القرآن وفيها الذكر وفيها مجالس العلم وفيها الدعاء وفيها الرجاء..
أما شرُّ البلاد فهى الأسواق (كما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام)
لماذا ؟ لأن في الأسواق الأيام الكاذبة، وفي الأسواق الغش والسلب والنهب والخداع وفي الأسواق الغرر، وفي الأسواق لا ترى مصلياً، ولا ذاكراً ولا شاكراً..
أن يُلقي أحدهم كل هذه الشواغل وكل هذه الغفلات من وراء ظهره، ثم ينشط للذكر والشكر والعمل الصالح فهذه بطولة تستوجب من الأجر أكرمه..
قال الحبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم ««مَنْ قَالَ حِينَ يَدْخُلُ السُّوقَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ» »
بيان أن الأجر على قدر المشقة، وأن العمل في وقت الغفلة عظيم الأجر هذا يأتي واضحاً هذه الأيام وقد حضر الحديث عن شهر شعبان وعن العبادة في شعبان وعن كثرة الذكر والشكر في شعبان، وعن كثرة صيام النبي عليه الصلاة والسلام في شعبان..
قال أسامة بن زيد: قُلتُ: «يَا رَسُولَ اللهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ قَالَ: «ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ»»
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يبارك لنا في شعبان وأن يبلغنا بكرمه أيام رمضان إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية
في ختام الحديث عن عظم ثواب العمل الصالح في وقت الغفلة أود أن أقول:
إن أيام الله تعالى جميعها طيبة، لكن بعضها أطيب من بعض ، أيام الله تعالى جميعها مباركة لكن بعضها أشد بركة..
وهذه الأيام التي نحن فيها والتي نقبل عليها خلال شعبان ورمضان هي إحدى أفضل أيام الله تعالى ..
وصيتي لنفسي، ووصيتي لكل مسلم ومسلمة أن نغتنم هذه الأيام المباركة فنثقل فيها موازين حسناتنا بالصيام والقيام والذكر والشكر لله رب العالمين..
وصيتي لنفسي، ووصيتي لكل مسلم ومسلمة أن لا تضيعوا على أنفسكم بركة هذه الأيام...
ولا يُضَيِّعُ بركة هذه الأيام مثلُ المشاحنة والمخاصمة مع الناس..
يود الشيطان أن يفسد على الناس دينهم ودنياهم وأخراهم حتى ورد قوله : "وَعِزَّتِكَ يَا رَبِّ، لَا أَبْرَحُ أُغْوِي عِبَادَكَ مَا دَامَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ "
يئس الشيطانُ أن نعبده لكنه لم ييأس من التحريش بيننا، يئس الشيطان أن نعبده لكنه لم ييأس من إشعال نار العداوة والبغضاء بين الناس..
أن يكون بين الإنسان وبين أخيه الإنسان خصومة وعداوة هذا كفيل أن يفسد بركة هذه الأيام المباركة، وهذا كفيل بأن يُضَيّعَ على الإنسان كثير من الحسنات والخيرات..
قلت وهذا بعينه ما حذر منه النبي عليه الصلاة والسلام:
«" أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ وَالصَّدَقَةِ ؟ " قَالُوا : بَلَى يا رسول الله. قَالَ : " صَلَاحُ ذَاتِ الْبَيْنِ ؛ فَإِنَّ فَسَادَ ذَاتِ الْبَيْنِ هِيَ الْحَالِقَةُ "»
فساد ذات البين والشحناء والبغضاء تحلق ماذا؟
لا تحلق الشعر ولكنها تحلق الحسنات، وتمحق الخيرات ، وتُذهبُ الدينَ من أصوله وقد أتى هذا الشرح في رواية عن النبي عليه الصلاة والسلام تقول: " هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ "
فتجاوزوا يرحمكم الله وتسامحوا وتراضوا فيما بينكم رضي الله عنكم وأرضاكم إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير..
------------------------------------------
جمع وترتيب : الشيخ / محمد سيد حسين عبد الواحد.
إمام وخطيب ومدرس أول .
إدارة أوقاف القناطر الخيرية.
مديرية أوقاف القليوبية . مصر
واتس / 01065348100
- التصنيف: