السقوط بعد الارتفاع
فالاستدراج أن يُفتَح للظالم بابُ القوة، وبابُ الشهرة، وبابُ السيطرة، حتى يظن أنه قد أمن العقوبة، وأن الأمور قد استقرت له، بينما هو في الحقيقة يقترب من لحظة السقوط خطوةً بعد خطوة.
ليس سقوطُ الطغاة حدثًا مفاجئًا يولد من فراغ، بل هو نهايةُ مسارٍ طويلٍ من الاستدراج الإلهي.
فهؤلاء الذين يستحقون السقوط، من الظلمة والمتكبرين والمفسدين، لا ينهارون في بداياتهم، بل يُمهَلون، ويُمنحون مساحةً من الظهور والعلو، حتى تنكشف حقيقتهم للناس، وتسقط الأقنعة التي طالما تستروا خلفها.
إن بروزهم في الساحة، واتساع نفوذهم، وتضخم حضورهم… ليس دليل قوةٍ حقيقية، بل هو في كثيرٍ من الأحيان تمكينٌ مؤقت يُراد به اكتمال الصورة ووضوح الحجة، قال تعالى:
{وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ} [الأعراف: 182–183].
فالاستدراج أن يُفتَح للظالم بابُ القوة، وبابُ الشهرة، وبابُ السيطرة، حتى يظن أنه قد أمن العقوبة، وأن الأمور قد استقرت له، بينما هو في الحقيقة يقترب من لحظة السقوط خطوةً بعد خطوة.
ولهذا قال سبحانه:
{فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ} [الأنعام: 44].
وقد يظن الناس أن الله غافلٌ عن ظلمهم، لكن الحقيقة غير ذلك:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ} [إبراهيم: 42].
وفي السنة تأكيدٌ لهذا المعنى، إذ قال النبي ﷺ:
«إِنَّ اللَّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ، فَإِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» (متفق عليه).
هكذا يكون المشهد كاملًا:
ظهورٌ… فاغترارٌ… فاستدراج… ثم سقوطٌ مدوٍّ لا قيام بعده.
فليس كل علوٍّ رفعة، ولا كل تمكينٍ كرامة، بل قد يكون بداية النهاية.
____________________
الكاتب: إياد العطية
- التصنيف: