التنقيب عن خفايا النفس

منذ 4 ساعات

هذه النفسُ العميقةُ الغَور تحمل في أحشائها خفايا ودسائس قد لا يعلمها حتى صاحبها، وإنّ هذا الأمر لا يظهر خطرُه في الدنيا بقدر ما يظهر يوم القيامة حينما يتفاجأ المرء بهذه الدسائس التي خفيت عنه منشورةً جلية أمامه، فيعتريه الذهول ويفجع من هول صدمة الخذلان!

إنّ من أشدّ الخذلان وأبشع صوره خذلان النفسِ لصاحبها يوم القيامة..
عندما أقرأ هذا الحديث يتملّكني سؤال مُلحٌّ: هل كان يعلم هذا الرجل أنّه إنّما فعل "ليُقال"؟ هل بدت له حقيقة غايته من هذه الأفعال؟ أم أنّ نفسه قد أضمرتها عنه؟

هذه النفسُ العميقةُ الغَور تحمل في أحشائها خفايا ودسائس قد لا يعلمها حتى صاحبها، وإنّ هذا الأمر لا يظهر خطرُه في الدنيا بقدر ما يظهر يوم القيامة حينما يتفاجأ المرء بهذه الدسائس التي خفيت عنه منشورةً جلية أمامه، فيعتريه الذهول ويفجع من هول صدمة الخذلان!

لقد كان يسير بتلك النفس طوال تلك السنين في الدنيا يقول لها ما نيتك في هذا العمل؟ فتقول له وهل هذا سؤال! امض فإنما نريد وجه الله! فيمضي بها من غير أن يتبيّن حقيقة هذه النية ويفتّش في مكامن نفسه عن الدافع الأصدق الذي يوجّهه بالفعل، فإذا جاء يوم تبلى السرائر تكشّف له كلّ هذا فعلم حقيقة نفسه وخذلانها له بذلك الخداع طوال تلك الأيام..

ولا ينجد الإنسان من موقف الخذلان ذاك إلّا رحمة الله أولًا وآخرًا، ثمّ أن يتعهّد نفسه بدوام المكاشفة والتزكية تخليةً وتحليةً فيبحر في أعماقها ويجلو ما أحاطها من غبار الخداع، ومن رحمة الله عزّ وجلّ بالعبد في إعانته له على هذا أن يبتليه بأنواع البلاءات ليمحّص نفسه ويظهر له حقيقتها، لكن إذا غفل الإنسان عن حقيقة كون الابتلاء تمحيصًا يعينه على اكتشاف نفسه ودسائسها فإنّه بطبيعة الحال لن ينتفع بهذه النعمة لأنّه لا يعرف محلّ الانتفاع ولا يدركه، فلا بدّ من إعادة تعريف الابتلاء في النفس بعدة تعريفات منها كونه تمحيصًا للنفس وامتحانًا لها -كما يمتحن الذهب- لتظهر حقيقة معدنها..

وقد صدق التهامي إذ قال:

للّه درُّ النائباتِ فإنَّها   **  صدَأُ اللئامِ وصيقِل الأحرارِ!

فإنّ النائبات والابتلاءات إنّما تظهر حقيقة المعدن، وتميز المعدن الصدئ من المعدن النفيس بل وتزيد كلّ منهما في صفته: الصدئ تزيده صدأً والآخر تصقله نفاسةً، ليصبح كلّ منهما أكثر وضوحًا وأكثر تبيانًا فلا يخفى ولا يلتبس..

فأعيذُني وإيّاكم أن نقصّر في مكاشفة نفوسنا والتنقيب عن حقيقتها، فنقفُ موقف الخذلان يوم القيامة، الموقفَ الذي لا أشدّ منه ولا أصعب منه، ولا انتهاء لحسرته ولا رجوع لاستدراكه..

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
 

  • 0
  • 0
  • 29

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً