الغفلة المؤجَّلة
شعبان ليس شهرًا عابرًا، بل ميدان إصلاح، ورمضان ليس محطة مؤقتة، بل بداية حياة مختلفة مع الله، حياة لا تنتهي بالموت، بل تتقوّى وتزداد به.
دخلنا شعبان، لا كضيفٍ نُحسن استقباله، بل كعابرٍ مرَّ من فوق قلوبنا ولم يترك أثرًا. مرَّت الأيام، وبقينا نحن كما نحن: في السطح، في العادة، في ذات الفتور القديم. لم نزد قربًا، ولم نخَف بصدق، ولم نُبالغ في الاكتراث… وكأن القلب وقّع عقد غفلة طويلة الأمد.
ليس الألم الحقيقي في قِلّة العبادات، ولا في فتورها الظاهر، بل في ذلك الانغماس الخفيّ الذي يبتلع القلب دون أن نشعر. نعيش كأن الحياة مأمونة، كأن الموت إشاعة بعيدة، مع أننا نعرف يقينًا أنه أقرب إلينا من أنفاسنا. نعرف… ولا نعمل. نُدرك… ولا نستعد. وتلك هي المفارقة المؤلمة: غفلة مع علم، وتأجيل مع يقين.
نُتعب أنفسنا هنا، وننسى أننا إنما نتعب لنستريح هناك. ننسى أن معادلة النجاة واضحة، لكنها ثقيلة على النفس: أن تتخلّى عن بعض لذّاتها، لتنال لذّة لا تزول. فالنعيم لا يُدرَك بالنعيم، والطريق إلى الراحة يمرّ أولًا عبر مجاهدة صادقة.
نعلم أننا ملاقو الله، ولا نُهيّئ للقاء.
نعلم فضل الذكر، ولا نقترب.
نعلم أننا سنتحسّر على كل وقتٍ ضاع، وعلى كل صلاة حضر فيها الجسد وغاب القلب… ومع ذلك نمضي.
نحن لا نجهل، نحن محجوبون.
تغيّر كل شيء؛ صارت المعاصي اعتيادًا، والزلات عادة، والكلمات تنفلت من أفواهنا محمّلة بما لا ننتبه له، حتى يتسرّب الشرك الأصغر إلى القول والفعل ونحن غافلون. يؤذّن المؤذّن ولا نرتجف. نذكر الله ولا نفقه معنى ما نقول. نصلّي ولا نشعر، نتوضأ وأرواحنا شاردة، ونسينا أننا هنا لجوهر واحد: أن نعبد الله.
ثم نشكو ضيق الصدر، وثِقل الروح، وفراغ الحياة… وقد ابتعدنا عن مصدر الحياة الحق. نشكو ولا نتوب، أو نتوب توبة مؤجَّلة، لأننا نظن أن التوبة لا تكون إلا من ذنبٍ نعرفه، ونسينا أن أخطر الذنوب تلك التي نُذنبها ولا نشعر بها.
نقوم بعبادة، فنظن أننا أمسكنا بزمام الأمور، ولا نعلم أن باب الطاعة قد يُفتح، ويُغلَق دونه باب القَبول؛ لأننا أعجبنا بطاعةٍ بلا قلب، وبضاعةٍ مزجاة قُدِّمت على عجل.
ومع ذلك… الباب لم يُغلق.
والفرص لم تنفد.
والله برحمته لا يترك طالبَه معلّقًا.
شعبان ليس شهرًا عابرًا، بل ميدان إصلاح، ورمضان ليس محطة مؤقتة، بل بداية حياة مختلفة مع الله، حياة لا تنتهي بالموت، بل تتقوّى وتزداد به.
فرصة واحدة قد تُصلح كل شيء:
ركعة صادقة تُطفئ هذا الظلام.
واستغفارٌ معتذر، منكسر، نادم، يعلم أن كل شيء بلا الله موحش.
فالاستغفار ليس لفظًا، بل طلب سترٍ وتجاوز، وغسلٌ للقلب، وإعادة توجيه للروح.
لقد أمهلك الله عمرًا، وسخّر لك البدن، والقوة، والمأوى، والوقت… حتى لو أردت أن تقوم الليل كلّه لقدرْت. ومع ذلك نبخل بركعة.
وما أبخل الإنسان على نفسه.
- التصنيف: