رمضانُ رِزق!

منذ ساعتين

الظفرُ بهداياتِ رمضانَ ومنافعِه رزقٌ كبير، والرزقُ إنما يُطلَب من مالكه، ويُرتجى من القادر على هبته والجود به.

الظفرُ بهداياتِ رمضانَ ومنافعِه رزقٌ كبير، والرزقُ إنما يُطلَب من مالكه، ويُرتجى من القادر على هبته والجود به. ولما كان لا رزّاق في هذا الوجود إلا الله، ولا وهّاب ولا مُعطي ولا مُنعم سواه، كان طلبُ هذا الرزق مشروطًا بأسبابٍ وسننٍ، من أخذ بها وُفِّق، ومن أعرض عنها حُرِم، ولعل من أبرزها:

الإكثار من التودّد إلى الله وسؤاله، وصدق اللجأ إليه، وطلب فضله وهدايته وتوفيقه، والاستعانة به على حسن استثمار هذا الشهر العظيم، مع إظهار الافتقار الكامل بين يديه، والانكسار على أعتاب بابه؛ فالله كريم لا يردّ السائل الصادق، ولا يُخيّب الداعي المضطر، وتلك سنّة ربنا: المليك الكريم الوهّاب التي لا تتخلف.

تحقيق الصدق والإخلاص في القصد والعمل، فالأعمال تُوزن بنيّاتها، وتُرفع بصدق أصحابها؛ فكم من عملٍ صغيرٍ عظّمته النيّة، وكم من عملٍ كثيرٍ أحبطه الرياء ومراعاة حظوظ النفس. فرمضان ميدان تصفية القلوب من شوائب الالتفات إلى الخلق، وتجريد التوجّه إلى الحق، فطوبى لمن دخله وقد عزم أن لا يطلب بعمله إلا وجه الله، ولا ينتظر جزاءً إلا منه؛ فالإخلاص روح العمل، وبدونه يكون جسدا بلا حياة.

الإقبال على التوبة النصوح، فإن التطهّر من الدنس شرطُ الظفر بالتقوى، وعمارة القلب بالإيمان. فالتخلّي عن الرياء والعُجب والكِبر، وعن التوكّل على غير الله، وعن الحقد والحسد وظلم العباد، وعن الذنوب والمعاصي والتقصير في حقّ الرب سبحانه، مقدَّمٌ في الترتيب على التحلّي بالأعمال الصالحة؛ إذ التركُ قاعدةُ الفعل، ومن عجز عن ترك السيئة ومحوها عسر عليه الإتيان بالحسنة وتكرارها، فالسيئة حجاب، وهي تقول: أختي أختي، كما تقول الحسنة: أختي أختي.

تعاهد القلب بالمراقبة والمحاسبة، فالقلب محلّ نظر الرب، وصلاح الجوارح فرع عن صلاحه. فيحتاج العبد في رمضان إلى وقفاتٍ يومية يراجع فيها حاله، ويزن أقواله وأفعاله، ويستدرك تقصيره، ويجدّد عزمه؛ فإن من أهمل المحاسبة تراكمت عليه الغفلة، ومن داومها رقّ قلبه، واستقام سيره، وعرف مواضع الخلل فأصلحها قبل استفحالها.

إحياء معنى الصبر والمجاهدة، فإن رمضان شهر الصبر، والصبر نصف الإيمان، ولا يُنال خير هذا الشهر إلا بمخالفة الهوى، وكفّ النفس عن مألوفاتها، واحتمال مشاق الطاعة؛ فالنفس إن لم تُجاهد قادت إلى البطالة، وإن أُطلقت جرت إلى الغفلة، ومن ذاق مرارة الصبر ساعة ذاق حلاوة القرب دهرًا.

التهيؤ للرزق الرمضاني بإحسان إدارة الوقت، والتخلّص من مضيّعاته قبل دخول الشهر، ترتيبًا للنفس والأسرة، وقطعًا لدابر الفوضى، وإعراضًا عن كثرة النوم، وملازمة الكسل، وداء التسويف، وترك صحبة البطّالين الذين لا تعين صحبتهم على الطاعة، مع ترك ما لا يعني، وتقليل التعلّق بالنت، وقصر استعماله على مواضع الحاجة.

تعلّم مقاصد الشهر وغاياته، والتفقّه في واجباته وسننه ومبطلاته، والنظر في هدي النبي ﷺ وسيرته الزكيّة مع ربّه، ومع أمّته، ومع أهل بيته؛ فهي أعظم قدوة، وأحسن أسوة، ولا خير ولا فلاح خارج هديه وسنته.

المبادرة إلى الخيرات، والتعوّد عليها، وإتقان أدائها، فإن عطايا الله درجات، ولا يُنال أعلاها إلا بعد الظفر بأدناها، فالأمر يحتاج إلى تدرّجٍ في مراقي الكمال، ومواصلةٍ في العمل، ومثابرةٍ بلا انقطاع. وإياك أن تظنّ أن من يختم القرآن في كل ثلاث ليالٍ في رمضان، أو يذكر الله آلاف المرات يوميًا، لا عهد له بالقرآن ولا بالذكر خارج الشهر؛ فإن ذلك ـ بحسب سنن السير إلى الله ـ محال.

تقديم فاضل الأعمال وأزكاها للنفس، وأعظمها أثرًا في زيادة التقوى والخشية والخشوع، مع التنبه إلى أن العمل الفاضل في أصله قد يكون في حقّ شخصٍ مفضولًا، وأقلّ إصلاحًا لقلبه، فالمسألة لا تحتمل التقليد الأعمى في هذا الباب، وكلٌّ أدرى بنفسه وبما يفتح الله على قلبه فيه، وبما يصلحها ويزكّيها وينمّيها.

توسيع دائرة الإحسان إلى الخلق، فإن من أعظم أبواب الرزق الرمضاني الإحسان إلى عباد الله قولًا وفعلًا، وبذلًا وعفوًا، وكفًّا للأذى واحتمالًا له؛ فالخلق عيال الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله، ورمضان موسم مضاعفة الأجور، فما أكرم أن يخرج العبد منه وقد طهّر قلبه من الشحناء، ويده من البخل، ولسانه من الأذى.

استحضار قِصر الموسم وسرعة انقضائه، وأنه أيّامٌ معدودات، ما إن يُقال أقبل حتى يُقال رحل، وإذا رحل لا يعود، وإذا رحل كان العبد قد اقترب من أجله شهرًا وهو لا يشعر؛ ولله درّ شوقي إذ قال:
دقّاتُ قلبِ المرءِ قائلةٌ لهُ   **   إن الحياةَ دقائقٌ وثواني.

بلغنا الله رمضان بمحض فضله، ومكّننا من حسن صيامه وقيامه، ومنّ علينا فيه بهداه وتوفيقه وقبوله ورضوانه، إنه جوادٌ كريم.
والله الهادي

  • 0
  • 0
  • 34

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً