التوصية بالتزكية

منذ ساعتين

فقد يَأْنَف بعض أُولِي العلم من الكلام في أبواب تزكية النفوس، والتأليف فيها، ويرون أن هذا من عمل الوُعَّاظ والقُصَّاص!، على أن التزكية من مقاصد بعثة النبي ﷺ

بسم الله الرحمن الرحيم 
الحمد لله الذي يُزَكِّي من يشاء، والصلاة والسلام على إمام الأَزْكِياء، وعلى آله وصحبه أُولِي الزَّكَاء.

أما بعد: فقد يَأْنَف بعض أُولِي العلم من الكلام في أبواب تزكية النفوس، والتأليف فيها، ويرون أن هذا من عمل الوُعَّاظ والقُصَّاص!

على أن التزكية من مقاصد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كما قال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}.
وتزكية نفوس المَبْعُوث إليهم تكون بتعليمهم التزكيةَ، ودعوتِهم إليها.
 
وهو الذي جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في كتاب الله، وسُنَّته.

وسار السلف الصالح على ذلك.
فتعليمهم التزكيةَ ودعوتُهم إليها أكثر من أن تُحصَر.
وقد ضَمَّنُوها مصنفاتهم.
وما الكتب الستة عنا ببعيد، فأبواب التزكية كثيرة فيها.

بل بعض أئمة السلف خَصَّ أبوابًا من التزكية بالتصنيف. 
كمن صنف في الزهد، كابن المُبَارَك (ت: ١٨١)، والمُعَافَى بن عمران (ت: ١٨٥)، ووَكِيع بن الجَرَّاح (ت: ١٩٧)، وأَسَد بن موسى (ت: ٢١٢)، وأحمد بن حَنْبَل (ت: ٢٤١)، وهَنَّاد بن السَّرِيِّ (ت: ٢٤٣)، وأبي داود (ت: ٢٧٥)، وأبي حاتِم (ت: ٢٧٧).
وكلها مطبوعة.
على أنها لم تقتصر على الزهد في التزكية؛ وإن كانت عَنَاوِينها تدل على الاقتصار عليه في الجُمْلة.

فينبغي لأُولِي العلم أن يسيروا على هذا المِنْهَاج: فيَعْتَنُوا بالنظر فيما يُزَكِّي أنفسهم من الكتاب والسنة، وأقوال السلف الصالح، وسِيَرهم، وكُتُب أهل الشأن، ويعلِّموا الناس ذلك، ويدعوا إليه.

وقراءة القرآن بالتَّدَبُّر أنفع ما تَتَزَكَّى به النفوس.

ولَمَّا قَصَّر طائفة من أُولِي العلم في أسباب التزكية قَصَّروا في زكاة نفوسهم، وفي تعليمهم الناسَ التزكيةَ، ودعوتِهم إليها.

قال ابن الجَوْزيِّ (ت: ٥٩٧) في (صَيْد الخاطِر: ص: ٢٩١): 
"رأيت الاشتغال بالفقه وسماع الحديث لا يَكاد يكفي في صلاح القلب؛ إلا أن يُمزَج بالرَّقائق، والنظر في سِيَر السلف الصالحين.

فأما مُجَرَّد العلم بالحلال والحرام، فليس له كثير عمل في رِقَّة القلب. 
وإنما يَرِقُّ القلب بذكر رَقَائق الأحاديث في أخبار السلف الصالحين. 
لأنهم تناولوا مقصود النقل، وخرجوا عن صور الأفعال المأمور بها إلى ذَوْق معانيها والمراد بها. 

وما أخبرتُك بهذا إلا بعد مُعَالَجَة وذَوْق ...

وقد كان جماعة من السلف يقصدون العبد الصالح للنظر إلى سَمْتِه وهَدْيِه، لا لاقتباس علمه.
وذلك أن ثمرة علمه هَدْيُه وسَمْتُه.

فافهم هذا وامزُج طلب الفقه والحديث بمُطَالَعَة سِيَر السلف والزُّهَّاد في الدنيا ليكون سببًا لرِقَّة قلبك".

والحمد لله الذي إليه المُنْتَهى. 


وكتب: علي بن سعد الغامدي المكي. 

  • 0
  • 0
  • 12

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً