المعركة الصامتة

منذ 6 ساعات

هذا عصر تُختبر فيه العيون كل ساعة، ويُكتب فيه تاريخك الإيماني في خلواتك الرقمية، وهذه العفة شهادة تقوى، والأجر فيها بحجم هذه المعركة الصامتة التي تدور بين العين والقلب.

دعنا نواجه الحقيقة كما هي: هذا عصر تُعاد فيه صياغة القلوب عبر العيون، فالصورة صارت أداة تشكيل، تصنع الذوق، وترسم التوقع، وتغرس في الداخل مقاييس جديدة للحياة، وفي زمن الوفرة البصرية تتزاحم الصور، وتتكرر الرسائل، ومن يصون عينه يصون معيار قلبه، ويحمي مستقبله العاطفي من المقارنات القاتلة، ويزرع في زواجه القادم طمأنينة مبكرة، والأجر يتصاعد كلما اشتد التيار، وكلما ارتفع سقف الفتنة ارتفعت درجات الصابرين.

والقدماء لامسوا هذا المعنى فهذا بهاء الدين الإربلي يقول: "أين مواعظك في كفِّ النظر، وزواجرك في غضِّ البصر، فسقتَ إلى نفسك تعبًا، وحمَّلتها بالنظر إلينا على رغمك نصبًا". فقد كانت صيحة يقظة تُعرّي أثر النظرة على الروح، وتكشف كيف تقود اللحظة العابرة إلى إرهاقٍ يتراكم في الداخل، فالنظر حين ينفلت يثقل القلب، ويكدّر صفاءه، ويصوغ داخله مقاييس مضطربة. 

وهنا يشير محمد المشتولي "واعلم أن من غضَّ بصره عن محاسن امرأةٍ أو أمردَ لله تعالى، أورث الله قلبه حلاوةً إلى يوم يلقاه" فهذه حلاوة تمتد أثرًا، وتترسّخ نورًا، وتتحوّل في الحياة طمأنينة وثباتًا في الذوق والشعور. 

وهذا عصر تُختبر فيه العيون كل ساعة، ويُكتب فيه تاريخك الإيماني في خلواتك الرقمية، وهذه العفة شهادة تقوى، والأجر فيها بحجم هذه المعركة الصامتة التي تدور بين العين والقلب.
••

__________________________________

المراجع:
• رسالة الطيف، لبهاء الدين علي بن عيسى الإربلي (ت ٦٩٢هـ)، ص ٣
• سلوة الأحزان، لمحمد بن حميد المشتولي (ت بعد ١١٦٧هـ).

___________________________________
الكاتب: علي آل حوّاء

  • 1
  • 0
  • 37

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً