أبقى عليهم ليرحمهم ويعز بهم الإسلام
العناصر الأساسية العنصر الأول: إدارة هذا العالم بيد الحكيم العليم. العنصر الثاني: من آيات الله يوم بدر نزول الملائكة. العنصر الثالث: ماتوا لرحمة، وعاشوا لحكمة. العنصر الرابع: من أحسن في السوابق أحسن الله إليه في اللواحق.
الموضوع وكأنك تلقيه على المنبر.
أيها الإخوة الكرام: إن الله تبارك وتعالى بيده مقاليد السموات والأرض، وإنه سبحانه وتعالى يدبر شئون هذا الكون بطلاقة قدرته وإرادته، وإنه جل شأنه يدبر أمور هذا العالم بحكمته وعلمه..
فلا يحيا حيٌ إلا بإذن الله، ولا يموت من يموت إلا بأمره سبحانه وتعالى..
ولله الحجة البالغة، والحكمة المطلقة في الأمور كلها..
وكما أنه لا أحد يحيط بعلم الله تعالى، لا أحد أيضًا يحيط بعلم الله عز وجل..
في مثل هذه الأيام، في رمضان، وبينما نحن نقرأ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتحديداً في غزوة بدر الكبرى والتي وقعت في مثل هذه الأيام ..
نقرأ أن هذه الغزوة: هي أول لقاء دامٍ بين الحق وبين الباطل كان يوم بدر..
نقرأ في هذه الغزوة: أن الله تعالى أنزل في هذه الغزوة جنوداً من السماء تناصر النبي صلى الله عليه وسلم..
وهذه فيما أرى أعظم آيات الله تعالى يوم بدر
قَالَ النبي عليه الصلاة والسلام: " «مَا رُئِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا هُوَ فِيهِ أَصْغَرُ وَلَا أَدْحَرُ وَلَا أَحْقَرُ وَلَا أَغْيَظُ مِنْهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ ؛ وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمَا رَأَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ، وَتَجَاوُزِ اللَّهِ عَنِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ، إِلَّا مَا أُرِيَ يَوْمَ بَدْرٍ» "، قِيلَ : وَمَا رَأَى يَوْمَ بَدْرٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : " «أَمَا إِنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ يَزَعُ الْمَلَائِكَةَ» ".
وعد الله رسوله صلى الله عليه وسلم يوم بدر إحدى الطائفتين..
أما الطائفة الأولى: فكانت تجارة قريش وأموالهم رأي المسلمون فيها تعويضًا عن الأموال والديار والتجارات التي سلبتها قريش من المسلمين بعد الهجرة..
كانت تجارة قريش وأموالها في طريقها من الشام إلى مكة وفي طريقها تمرُّ بالمدينة، فخرج المسلمون إليها لكنها أفلتت من أيدي المسلمين..
فلم يتبقى إلا الطائفة الثانية: وهي أن ينصر الله تعالى رسوله على قريش ويقطع دابر الكافرين..
{{وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ }}
إحقاقًا للحق، ونصرة للمؤمنين هيأ الله تعالى الأمور كلها لتبدأ الملحمة بين الحق وبين الباطل..
رأى رسول الله قريشًا في المنام قليلاً فتجرأ عليهم، ورأت قريش المسلمين في المنام قليلاً فطمعت في القضاء عليهم ومن هنا بدأت المعركة..
عن هذه الرؤى وآثارها في نفوس الفريقين تحدثت الآيات من سورة الأنفال.. {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا ۖ وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيرًا لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَلَـٰكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ ۗ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ، وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ۗ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ }
إحقاقًا للحق، ونصرة للمؤمنين أنزل الله الملائكة تجاهد وتدافع وتقاتل مع المسلمين..
في سورة الأنفال نزلت البشارة بنزول الملائكة يوم بدر، أول كتيبة (ألف ملك) ومع كلِّ ( ملكٍ ملكٌ) ليصير عدد الملائكة ألفين..
{{إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ}} أي أن مع كل ملكٍ ملكٌ..
ثم وجّه الله إلى المسلمين مددًا من الملائكة قوامه ثلاثة آلاف ملك {{إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَن يَكْفِيَكُمْ أَن يُمِدَّكُمْ رَبُّكُم بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُنزَلِينَ}}
ليصبح عدد الملائكة المجاهدين في سبيل الله يوم بدر خمسة آلاف ملك.. {{بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَـٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}}
ورد في الصحيح من حديث ابن عباس قَالَ : بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ، وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ : أَقْدِمْ حَيْزُومُ . فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السَّوْطِ فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ : " «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ » "
الحديث عن خِلقة الملائكةِ حديثٌ يُدهش العقول، هم عباد مكرمون لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون..
الملائكة عظام الخِلْقة أقوياء أشداء..
منهم جبريل عليه السلام وهو أعظم الملائكة خَلقاً وخُلُقاً، ورد أنه قلبَ قُرى قوم لوطٍ بريشة من جناحه..
عند تفسير قول الله عز وجل {{ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى }} ، قَالَ عبد الله بن مسعود : رَأَى مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ مَا مِنْهَا جَنَاحٌ إِلَّا قَدْ سَدَّ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ".
وعَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ تعالى: {ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} .
قَالَتْ: "إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ كَانَ يَأْتِيهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ، وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ ، فَسَدَّ أُفُقَ السَّمَاءِ".
ومن الملائكة حملة العرش قال عليه الصلاة والسلام " « أُذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَةِ اللَّهِ مِنْ حَمَلَةِ الْعَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِهِ إِلَى عَاتِقِهِ مَسِيرَةُ سَبْعِمِائَةِ عَامٍ » ".
الملائكة عليهم السلام بهذه الخلقة العظيمة المهيبة حضرت غزوة بدر تناصر المسلمين..
{إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا ۚ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}
حضرت الملائكة بكامل طاقتها وبكامل قوتها يوم بدر وبخمسة آلاف ملك بمعنى أن كل خمسة من الملائكة يواجهون كافراً واحداً، ويفلت ذلك الكافر فلا يقتل!!
لم يقتل من قريش إلا سبعين قتيلاً (فقط) ولم يؤسر من قريش إلا سبعين أسيراً (فقط) وقد أبقاهم الله جميعاً أحياء فلم يقتلوا إلا عقبة بن أبي معيط قتل بسبب شدة عداوته لله ورسوله..
فكان قتلُ من قُتل رحمة لأن ذنوبهم وغدراتهم وفجراتهم توقفت عند ذلك اليوم..
وكان بقاء من بقي حياً، رحمة به ولحكمة من بقي حياً أفلته الله من القتل يوم بدر وأفلته يوم أحد وأفلته يوم الخندق وأفلته في المواطن كلها لأن الله سبحانه وتعالى أراد بهم خيراً أراد لهم الهداية إلى الإسلام، وأذن لهم أن يزاحموا السابقين إلى الإسلام في نصرة الإسلام والمسلمين، وأن يختم لهم بخاتمة الحسنى، ولولا لطف الله لقتلوا جميعاً كفاراً في أي موطن من المواطن ولكانوا من أهل النار ولكن الله سلم.
هنا الحديث عن خالد بن الوليد، هنا الحديث عن عمرو بن العاص، هنا الحديث عن عكرمة بن أبي جهل، هنا الحديث عن صفوان بن أمية، هنا الحديث عن أبي سفيان بن حرب، هنا الحديث عن سهيل بن عمرو وغيرهم كثير..
رغم حضور الملائكة يوم بدر، ورغم قتال الملائكة مع المسلمين يوم بدر إلا أن الله أبقاهم أحياء وأفلتهم من الموت على الكفر يوم بدر ويوم أحد ويوم الأحزاب وأفلتهم من القتل على الكفر في المواطن كلها لحكمة أرادها الحكيم سبحانه وتعالى وهي أن الله أراد بهم خيراً وأراد لهم خيراً..
بفضل الله سبحانه وتعالى كلهم أسلموا وحسن إسلامهم وانتظموا جميعاً في الصف يدافعون بأموالهم وأنفسهم عن الإسلام، ومات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عليهم راض غير غضبان.
قلت وهذه أحد أعظم آيات الله التى وقعت يوم بدر ( أن يهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة)
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، إنه ولي ذلك وهو على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية
بقي لنا في ختام الحديث عن بعض آيات الله تعالى في غزوة بدر، بقي لنا أن نقول:
إن أعمال الإنسان الصالحة كما تشفع له يوم القيامة، تشفع له أيضاً في الدنيا..
وفي صحيح السنة يقول الحبيب النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «صَنائعُ المعروفِ تَقِي مَصارعَ السُّوءِ» "
يقولون في الحكمة: من أحسن في السوابق أحسن الله إليه في اللواحق.
ورد هذا المعني في حديث القرآن الكريم عن سيدنا يونس عليه السلام {{ فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون }}
كان من بين من حضر بدراً صحابي جليل يقال له حاطب بن أبي بلتعة..
وأهل بدر لهم عند الله تعالى كرامة ليست لأحد من الناس، ومنهم حاطب بن ابي بلتعة..
لما عزم رسول الله على فتح مكة،كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش فأخبرهم بما عزم عليه رسول الله، لا لشيء إلا لتكون له عند قريش يداً يحسنون بها إلى قرابته..
فلما انكشف أمره، جاء فاعتذر وقال أنه ما فعل ما فعل ردة عن الإسلام وإنما فعل ما فعل من أجل أن تُحسن قريشُ إلى قرابته، فقال له النبي صدقت..
يومها استأذن عمر رسول الله في ضرب عنقه ، وقال إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يا عمر " أليس من أهل بدر ؟! ولعل الله اطلع على أهل بدر ، فقال : اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة " أو قال "اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فدمعت عينا عمر ، وقال : الله ورسوله أعلم
الشاهد: أن يعلم الناس من أحسن في السوابق أحسن الله إليه في اللواحق.
{{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}}
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح أحوالنا وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها.
- التصنيف: