تَمحيصُ القُلوب
إنّ تمحيص القلوب ليس ضجيجًا يُسمَع، ولا حادثةً تُعلَن، بل هو ارتجاجٌ صامت، قد تُثيره كلمةٌ عابرة، أو موقفٌ عابر، أو خذلانٌ لم يكن في الحسبان.
لعلَّ من أعمق ما تُوقِظُهُ الآيات في النفس أنَّ البلاء ليس دائمًا ما يُرى، ولا ما يُلمَس، ولا ما يُثقِل الجسد ظاهرًا؛ فقد يكون البدن في عافيةٍ تامّة، والوجهُ باسمًا، والخُطى ثابتة، غير أنّ في الداخل حركةً خفيّة لا يطّلع عليها أحد. هناك، في أغوار الصدر، تجري سننٌ أخرى، أشدُّ أثرًا وأبقى نتيجة.
إنّ تمحيص القلوب ليس ضجيجًا يُسمَع، ولا حادثةً تُعلَن، بل هو ارتجاجٌ صامت، قد تُثيره كلمةٌ عابرة، أو موقفٌ عابر، أو خذلانٌ لم يكن في الحسبان.
لحظةٌ واحدة قد تُحرّك ما استقرّ، وتُظهر ما كان مستترًا، وتشقُّ في الفؤاد مسارب لم نكن نظنّ أنّها موجودة.
وهنا يتبيّن أنّ السلامة الظاهرة لا تعني سكون الباطن؛ فالقلب ميدان الابتلاء الأوسع، وفيه يُنقّى الصدق من الدعوى، ويُفصل التعلّق الخفيّ عن التوكّل الصادق، ويُكشف مقدار الاعتماد حين تتزحزح الأسباب.
ليست العبرة بأن يبقى كلُّ شيءٍ كما هو، بل أن يُرى ماذا يفعل الاضطراب في الداخل: هل يزيد القرب، أم يكشف ضعفًا كان مستورًا؟
وقد ينشغل القلب بالألم زمنًا، يُقلبه على وجوهه، يتأمّل أسبابه، ويستعيد تفاصيله، وكأنّما يُعاد تشكيله من جديد.
وليس ذلك عبثًا؛ فالتمحيص غربلةٌ دقيقة، تُسقِط ما لا ينبغي بقاؤه، وتُبقي ما صَفَا وثَبَت.وكلّما كان القلب أرقّ، كان إحساسه أبلغ، وكان امتحانه ألطف في صورته، أعمق في أثره.
إنّه مسارُ تطهيرٍ لا يُرى، لكنّ نتائجه تُرى في الثبات بعد التزلزل، وفي السكينة بعد الاضطراب، وفي صفاء النيّة بعد أن تختلط عليها الدوافع.
فإذا أدرك العبد أنّ ما يجري في صدره ليس إهمالًا، بل عنايةً خفيّة، تغيّر نظره إلى ما يؤلمه؛ فرأى فيه تربيةً لا قسوة، وتزكيةً لا مُجرد كسر.
وهكذا يُصبح ما يُرهق القلب أحيانًا بابًا إلى نضجه، وما يُقلقه سُلّمًا إلى صفائه؛ إذ ليس المقصود أن يسلم من الخدش، بل أن يخرج من كلّ خدشٍ أنقى، وأصدق، وأقرب.
- التصنيف: