أفرأيت إن متعناهم سنين

منذ 2026-03-30

عباد الله: النظر النظر إلى العواقب، فإن اللبيب لها يراقب، أين تعب من صام الهواجر، وأين لذة العاصي الفاجر، رحلت اللذة من الأبدان إلى الصحائف، وذهب نصب الصالحين فكأن لم يتعب من صابر اللذات، وكأن لم يلتذ من نال الشهوات.

اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك، لك الحمد وأنت للحمد أهل، وأنت الحقيق بالنعمة والفضل، والصلاة والسلام على خير البرية وأزكى البشرية؛ نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين؛ أما بعد:

فأوصيكم عباد الله ونفسي بتقوى الله تعالى في السر والعلن، فهي خير زاد للمعاد ولقاء الملك العلام، القائل: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى} [البقرة: 197].

 

أيها المسلمون: وعظ الله تعالى بكتابه العزيز عباده، ورغبهم به فيما يقربهم إليه، وحذرهم ونهاهم فيه عما يضرهم ويبعدهم عنه ورحمته، ويجلب لهم غضبه وعقابه؛ قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، فخير ما يوعظ به كتاب الله تعالى؛ قال سبحانه: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45].

 

أيها المؤمنون: لما كان القرآن العظيم خير ما يوعظ به، وأعظم ما يذكر به، فهذه وقفة مع آيات مباركات، نستقي من هداها وما تضمنته من هدًى ورشاد وموعظة وذكرى، وهي قوله سبحانه في سورة الشعراء: {أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ * أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 204 - 207].

 

قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآيات العظيمة: هذا إنكار من الله تعالى على المجرمين ممن لا يؤمنون به ولا يصدقون رسله، وتهديدًا لهم، فإنهم كانوا يقولون للرسول صلى الله عليه وسلم تكذيبًا واستبعادًا{ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ} [العنكبوت: 29]، فهم كما وصفهم الله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ} [الحج: 47]، ثم قال عز وجل: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 203 - 207]؛ أي: لو أخرناهم وأنظرناهم، وأملينا لهم برهةً من الزمان وحينًا من الدهر وإن طال، ثم جاءهم أمر الله، أي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعم؟ كما قال الله تعالى عنهم: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا} [النازعات: 46]، وقوله: {يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ} [البقرة: 96]، فإذاجاء هؤلاء المجرمين المنعمين أمرُ الله، فأي شيء يجدي عنهم ما كانوا فيه من النعم؟


وفي الحديث الصحيح: «يؤتى بالكافر فيُغمس في النار غمسة، ثم يقال له: هل رأيت خيرًا قط؟ هل رأيت نعيمًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ويؤتى بأشد الناس بؤسًا كان في الدنيا، فيصبغ في الجنة صبغة، ثم يقال له: هل رأيت بؤسًا قط؟ فيقول: لا والله يا رب»؛ أي: ما كأن شيئًا كان، ولهذا كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتمثل بهذا البيت:

كأنك لم توتر من الدهر ليلة  **  إذا أنت أدركت الذي كنت تطلبُ 

 

أيها المسلمون: وممن وقف مع هذه الآيات العظيمة بيانًا ووعظًا بها وتذكيرًا الإمام ابن الجوزي رحمه الله؛ فقال: اعلم أن الآدمي ابن وقته؛ لأن ما مضى لا لذة له، فلا تغتر بمد المهل ولا تنسَ قرب الأجل، فالأيام رواحل وستصل الرواحل، تأهب لحوض سترده، يا خاسرًا رأس المال وما يفتقده، يا طالبًا طول البقاء وما يجده.

 

تدبروا أموركم تدبر ناظر، أين السلطان الكبير القاهر؟ كم جمع في مملكته من عساكر، وكم بنى من حصون ودساكر، وكم تمتع بحلل وأساور، وكم علا على المنابر ثم آخر الأمر إلى المقابر! العاقل من ينظر فيما سيأتي ويقهر بعزمه شر الهوى العاتي، وإذا قالت النفس حظي، قال: حظي نجاتي.

 

عباد الله: النظر النظر إلى العواقب، فإن اللبيب لها يراقب، أين تعب من صام الهواجر، وأين لذة العاصي الفاجر، رحلت اللذة من الأبدان إلى الصحائف، وذهب نصب الصالحين فكأن لم يتعب من صابر اللذات، وكأن لم يلتذ من نال الشهوات.

 

روينا أن داود عليه السلام رأى راهبًا في قلة جبل فصاح به: يا راهب، من أنيسك؟ فقال: اصعد تره، فصعد داود فإذا ميت مسجًّى، فقال: من هذا؟ قال: قصته مكتوبة عند رأسه، فدنا داود عليه السلام، فإذا عند رأسه لوح عليه مكتوب فقرأه، فإذا فيه: أنا فلان ابن فلان ملك الأملاك، عشت ألف عام، وبنيت ألف مدينة، وهزمت ألف عسكر، وأحصنت ألف امرأة، وافتضضت ألف عذراء، فبينما أنا في ملكي أتاني ملك الموت فأخرجني مما أنا فيه، أنذا: التراب فراشي والدود جيراني، قال: فخر داود مغشيًّا عليه.

 

وكان عبدالملك بن مروان يقول عند موته: والله وددت أني عبد لرجل من تهامة أرعى غنيمات في جبالها، ولم أكن إليَّ من هذا الأمر شيئًا.

 

{مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 207]، أين الذين كانوا في اللذات يتقلبون، ويتجبرون على الخلق ولا يغلبون، مزجت لهم كؤوس المنايا فباتوا يتجرعون، {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 207].

 

مدوا أيديهم إلى الحرام، وأكثروا من الزلل والآثام، كم وعظوا بمنثور ومنظوم من الكلام! لو أنهم يسمعون {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 207].

 

حمل كل منهم في كفن إلى بيت البلى والعفن، وما صحبهم غيره من الوطن من كل ما كانوا يجمعون، ضمهم والله التراب، وسد عليهم في ثراهم الباب، وتقطعت بهم الأسباب، أين أموالهم والذخائر؟ أين أصحابهم والعشائر؟ دارت على القوم الدوائر، ففيمَ أنتم تطمعون؟ {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 207].

 

يا معشر العاصين قد بقي القليل، والأيام تنادي: قد دنا الرحيل، وقد صاح بكم إلى الهدى الدليل إن كنتم تسمعون، {مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء: 207].

 

اللهم اجعلنا من عبادك المنيبين، ووفقنا لتدبر كتابك، والانتفاع بمواعظه وعبره، وتلاوته حق تلاوته والعمل به، ونسألك هداك وأن تجعل أعمالنا وأقوالنا في رضاك.

_______________________
الكاتب: عبدالعزيز أبو يوسف

المصدر: شبكة الألوكة

  • 1
  • 0
  • 108

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً