ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير
العناصر الأساسية: العنصر الأول: سل لتتعلم فتعمل. العنصر الثاني: ويسألونك عن اليتامى. العنصر الثالث: أيتام في كفالة سيدنا محمد. العنصر الرابع: الأرملة تزاحم رسول الله عند باب الجنة.
أيها الإخوة الكرام: سبق وتحدثنا عن بعض مواطن العظمة في الإسلام وأنه دين العدل والإنصاف والمكارم وأنه فوق ذلك هو الدين الواضح وضوح الشمس في رابعة النهار، فليس في الإسلام خبايا، وليس في الإسلام خفايا، وليس في الإسلام أسرار..
من هنا أذن الله تعالى للمسلم أن يسأل في الإسلام عن كل شيء، وأن يسأل عن أي شيء، ففي الإسلام كما أسلفت لا خبايا ولا خفايا ولا أسرار..
أعمل عقلك وتفكر وتدبر في كتاب الله، في سنة رسول الله، تدبر في ملكوت الله، تفكر في خلق الله، كما شئت، أعمل هذا العقل على أن تُحكم العقل والفكر بميزان الشرع، وبنور الوحي الذي أُنزل على النبي محمد صلى الله عليه وسلّم..
ساعتها تؤجر ويُكرمك الله تعالى بالعلم النافع لك ولغيرك في دنياكم وفي أخراكم..
قال حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : ما رأيتُ قومًا كانوا خيرًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم... ما كانوا يسألون إلَّا عمَّا ينفعهم..
سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الأهلة؟
سألوا رسول الله ماذا ينفقون؟
سألوا رسول الله عن الشهر الحرام قتال فيه؟
سألوا رسول الله عليه الصلاة والسلام عن الخمر والميسر؟
سألوه عن المحيض؟
سألوه عن الجبال؟
سألوه عن الأنفال؟
سألوه ماذا أحل لهم؟
سألوه عن سيدنا يوسف عليه السلام؟
سألوه عن العبد الصالح ذي القرنين؟
سألوه أيان يوم الدين؟
ومن بين ما سأل الناس عنه النبي عليه الصلاة والسلام سألوه عن اليتامى قال الله تعالى {{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}}
أول من نزلت عليهم آيات القرآن أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم..
أول من فهم عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم هم أولئك الصفوة الذين اختارهم الله تعالى لصحبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
أول من تدبر وتفكر في الآيات وتعلم ما فيها وعمل بها أصحاب النبي محمد صلى الله على وسلم ..
أخرج أبو داود وغيره من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما أنزل الله تعالى قوله :
{{وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ}}
ولما أنزل قوله: {{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَىٰ ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ۖ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا}}
قال ابن عباس لما نزلت هذه الآيات انطلق من الصحابة من كان عنده يتيم فعزل طعامه عن (طعام اليتيم) وعزل شرابه عن (شراب اليتيم)
قال ابن عباس وكان يفضل من طعام اليتيم بعض الشيء فيحبسه له كافله لا يأكل منه شيئاً ، حتى يأكل اليتيم طعامه أو يفسد ذلك الطعام ، فاشتد ذلك على اليتيم وعلى من يكفله ، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : {{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ۚ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}}
فخلط كافل اليتيم ماله بمال اليتيم،وخلط تجارته بتجارة اليتيم، خلط كافل اليتيم طعامه بطعام اليتيم، وشرابه بشراب اليتيم..
{{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ ۖ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ ۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ}}
نزلت هذه الآية برداً وسلاماً على من كان تحته مال يتيم، فرفعت الحرج، وسمحت لكافل اليتيم أن يتصرف في مال اليتيم (يتجر له فيه، وينميه له، ويصلحه له)
حين نتكلم عن اليتيم نحن نتكلم عن الذين لم يبلغوا الحلم من إخوتكم وأخواتكم، مات الآباء وتركوهم ( مساكين ) لا يعرفون خيراً ولا شراً، تركوهم أمانة في رقابكم والله تعالى سائلكم عنهم يوم القيامة
حين نتكلم عن اليتيم نحن نتكلم عن الذين لم يبلغوا الحلم من أولاد إخوتكم وأخواتكم، مات آباؤهم وتركوهم ذرية ضعافاً أمانة في أعناقكم والله تعالى سائلكم عنهم يوم القيامة
حين نتكلم عن اليتيم نحن نتكلم عن الذين لم يبلغوا الحلم من أولاد أعمامكم وعماتكم، ومن أولاد خالك وخالاتك..
نحن نتكلم عن أطفال حرموا من عطف آبائهم وأمهاتهم وهم
في مقتبل حياتهم..
وقد ورد في البيان النبوي أن خير بيوت المسلمين بيت فيه يتيم يحسن إليه..
أيها الإخوة الكرام: تقوم حياة اليتيم من أولها إلى آخرها على الاحتياج..
والاحتياج لا يكون إلى طعام وشراب فقط، ربما يكون الاحتياج إلى بسمة ، ربما يكون الاحتياج إلى كلمة طيبة ، ربما يكون الاحتياج إلى مسحة على الرأس تسعد القلب وتجبر الخاطر،ربما تكون حاجة اليتيم موعظة ونصيحة أشد من حاجته إلى طعام وشراب..
قد يكون اليتيم فقيراً وهنا الإحسان إليه بالصدقة، بالنفقة، بالكفالة، الإحسان إلى اليتيم الفقير أن تحتويه عاطفياً ونفسياً وأن تجعل نفسك في مكان والده،وأن تعامله كما تعامل ولدك، وأن تمنعه مما تمنع منه ولدك، ولك عظيم الأجر من الله تعالى..
قال النبي ﷺ:
«"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا"» وأشار بالسبابة والوسطى.
وقد يكون اليتيم غنياً وهنا الإحسان إليه بالكلمة الطيبة، بالموعظة الحسنة، بالتوجيه الصادق، ورعاية المال، واستثماره له مع أن تحتوي هذا اليتيم احتواءً نفسياً وعاطفياً، وأن تجعل نفسك في مكان والده،وأن تعامله كما تعامل ولدك، وأن تمنعه مما تمنع منه ولدك..
أيها الإخوة الكرام :
مات النباش بن زرارة عن زوجه خديجة بنت خويلد وترك في حجرها ولدين يتيمين يقال لأحدهم هند ويقال للآخر هالة كفلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغا أشدهما ولهما أحاديث يروونها عن النبي عليه الصلاة والسلام
ومات عبد الله بن أسد ( أبو سلمة ) مات عن أم سلمة وترك لها أربع أطفال يتامى وهم:
- سلمة بن أبي سلمة
- عمر بن أبي سلمة
- درة بنت أبي سلمة
- زينب بنت أبي سلمة .
بلغوا أشدهم في كفالة النبي عليه الصلاة والسلام فكان لهم نعم الأب بعد أبي سلمة..
وقتل جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه يوم مؤتة وترك صغاراً ضعافاً يتامى وهم:
- عبدالله بن جعفر
- عون بن جعفر
- محمد بن جعفر .
كفلهم أيضاً رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان لهم أبًا بعد أبيهم
في حال اليتم مع الغنى نزلت آيات كثيرات توصي بحسن الكفالة لذلك اليتيم، وتخوف من الطمع في مال اليتيم، وتحذر من المساس به على حال من الإتلاف..
قال الله تعالى: {{وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا}}
ورد في الصحيح من حديث عروة بن الزبير رضي الله عنهما قال: سَأَلَت عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عن قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:
{{ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ۖ}}
فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتي، هي اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ ولِيِّهَا تُشَارِكُهُ في مَالِهِ، فيُعْجِبُهُ مَالُهَا وجَمَالُهَا، فيُرِيدُ ولِيُّهَا أنْ يَتَزَوَّجَهَا بغيرِ أنْ يُقْسِطَ في صَدَاقِهَا، فيُعْطِيهَا مِثْلَ ما يُعْطِيهَا غَيْرُهُ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلَّا أنْ يُقْسِطُوا لهنَّ، ويَبْلُغُوا بهِنَّ أعْلَى سُنَّتِهِنَّ مِنَ الصَّدَاقِ، وأُمِرُوا أنْ يَنْكِحُوا ما طَابَ لهمْ مِنَ النِّسَاءِ سِوَاهُنَّ.
قالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ إنَّ النَّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسولَ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ بَعْدَ هذِه الآيَةِ، في اليتيمات الفقيرات فأنْزَلَ اللَّهُ: {{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ۖ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُوا لِلْيَتَامَىٰ بِالْقِسْطِ ۚ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا}}
ثم إن الله تعالى أمر كافل اليتيم الغني أن يحمي اليتيم من شر نفسه، وأن يحفظ على اليتيم ماله خشية أن يضيعه بسفاهته وإسرافه قال الله تعالى: {{وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا، وَابْتَلُوا الْيَتَامَىٰ حَتَّىٰ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُوا ۚ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ۖ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ۚ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ حَسِيبًا }}
أقول لكل من كان في بيته يتيم، وأقول لكل من يكفل اليتيم، تعامل مع الله تعالى، والتمس الأجر من الله وحده، ولا ترتقب شكراً ولا حمداً ولا ثناء من الناس، فما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انفصل وانقطع..
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح بين أيدينا إنه ولي ذلك ومولاه وهو على كل شيء قدير.
الخطبة الثانية
بقي لنا في ختام الحديث أن نقول إن للجنة ثمانية أبواب، وإن هذه الأبواب مغلقة، لا تفتح في الدنيا إلا في رمضان، وبعد رمضان تعود فتغلق من جديد..
إذا كان يوم القيامة وحوسب الناس وسيق أهل النار إلى النار وسيق أهل الجنة إلى الجنة، أتى أهل الجنة الجنة وأبوابها لم تزل مغلقة فيقفون بالأبواب رجاء أن يُفتح لهم ..
أمرت الملائكة (خزنة الجنة) أن تُبقي أبواب الجنة مغلقة لا يفتحونها أول ما يفتحونها إلا لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
قال النبي عليه الصلاة والسلام« وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يُحَرِّكُ حِلَقَ الْجَنَّةِ فَيَفْتَحُ اللَّهُ لِي فَيُدْخِلُنِيهَا»
العجيب في الأمر أن أحداً يزاحم النبي عليه الصلاة والسلام على باب الجنة يود أن يدخل معه كتفاً بكتف..
هذا المزاحم الذي يود أن يدخل الجنة بصحبة النبي عليه الصلاة والسلام هي امرأة أرملة..
أمٌ لأيتام: مات زوجها وترك لها عيالاً يتامى فترملت عليهم لم تتزوج بعد موت زوجها رعاية ورحمة بأيتامها..
ورد عنَد أَبي يَعْلَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ: ««أَنَا أَوَّلُ مَنْ يَفْتَحُ بَابَ الْجَنَّةِ إلَّا أَنِّي أَرَى امْرَأَةً تُبَادِرُنِي، فَأَقُولُ مَا لَك وَمَنْ أَنْتِ؟ تَقُولُ: أَنَا امْرَأَةٌ قَعَدْت عَلَى أَيْتَامٍ لِي»»
ضحت بسعادتها من أجل ألا تكسر بخاطر الأيتام، صبرت وكتمت حزنها وتاجرت مع الله تعالى برعاية أيتام في حجرها، فجبر الله خاطرها فجعلها أول من يدخل الجنة بصحبة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم..
أيها المؤمنون: إن التجارة مع الله رابحة، وإن هذه الدنيا لا تساوي جناح بعوضة.. فلا يظلم بعضكم بعضاً، ولا يقهر بعضكم بعضاً، ولا يعادي بعضهم بعضاً فلو كانت الدنيا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ما، ولكنها لا تساوي..
نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يصلح أحوالنا وأن يحسن عاقبتنا في الأمور كلها..
- التصنيف: