ظواهر إعلامية مقيتة

منذ 22 ساعة

من الظواهر التي باتت تشغل فكر وعقل ووجدان كل مسلم غيور على دينه وأهله ووطنه، ما تتجرأ عليه بعض القنوات الفضائية من الاستهزاء بآيات الله وكلماته

كتب الأستاذ : أشرف شعبان أبو أحمد

من الظواهر التي باتت تشغل فكر وعقل ووجدان كل مسلم غيور على دينه وأهله ووطنه، ما تتجرأ عليه بعض القنوات الفضائية من الاستهزاء بآيات الله وكلماته، والطعن في الخلفاء الراشدين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمناداة بتعطيل بعض شعائر الإسلام بحجج ظاهرها الرحمة وباطنها الإبعاد عن الدين وإضعاف أثره في النفوس، فلا ضرورة للصيام الذي يجعل العاملين أقل نشاطا فيتقاعسون عن أعمالهم، ولا داعي لتأدية الصلاة خلال ساعات العمل حتى لا تنقص من وقت العامل ولا من حجم الإنتاج، وللمحافظة على العملات الأجنبية فلا بأس من تقليل أعداد الحجاج والمعتمرين، وتوجيه تلك النفقات إلى الفقراء والمساكين فهم بها أولى، ويدعون إلى وقف ذبح الأضاحي حفاظا على الثروة الحيوانية التي لا تحتمل ذبح النسك، حتى بدا كأن شعائر الإسلام عبئا ثقيلا على الأفراد وعلى المجتمع يراد التخلص منها واحدة تلو الأخرى. ويتخذون من حجة الحرية الشخصية وحرية الرأي ذريعة لهم، وكأن لم تكن لهذه الحريات حدود وقيود، كما في سائر الشرائع والقوانين حول العالم أجمع.

وكأن هذه الحريات صممت للتطاول على الثوابت الدينية، والتشكيك في أصول الدين، ودفع الناس دفعا إلى الانحراف عنه بل وهجرته، بطريقة تحاك ببراعة. وإذا كانت بعض هذه الأباطيل قد عرفت منذ العصور الأولى للإسلام، إلا إنها كانت يؤمئذ محصورة في بقاع محدودة، لا تصل إلى أسماع غيرها من البقاع، أما اليوم فقد غدت هذه الأكاذيب والافتراءات تدس في العسل وتقدم في صور براقة، ثم تنقل إلى كافة بقاع العالم، كل قارة وبلد وكل مدينة وقرية وكل صقع ونجع وكل بيت وحجرة فيه، تبث بالصوت والصورة، فيسمعها ويراها المؤمن والكافر، المسلم والمنافق، العالم الراسخ في العلم، ومن لا تتعدى معلومات حدود الشهادتين وبعض العبادات المفروضة، وكل من يريد الكيد بالإسلام والمسلمين.

ومن هذه الظواهر أيضا ما يعلنه بعض المشاهير، ممن يتخذهم كثير من الناس قدوة لهم، عن ما يسمى بالمساكنة، حيث يعيش الرجل مع المرأة بلا زواج وينجبان بلا ميثاق، وبعد سنوات من العبث يقرران: أيمضيان في علاقتهما أم ينهيانها، ليخوض كل منهما تجربة مماثلة مع آخر، وهكذا تقدم الفاحشة للناس على أنها تجربة حياتية، وحرية شخصية، بينما تهدم الكيان الأسري، ولا يقف الأمر عند هذا بل الحد، بل لا يفوتون فرصة لتحريض الزوجة على زوجها، فيلقون في ذهنها أنها غير ملزمة بخدمته أو باستئذانه في الخروج من بيت الزوجية والمبيت خارجه، إلى آخره من صور الهدم المباشر لأسس الحياة الزوجية ومقاصدها. كما تقوم هذه الفضائيات بعرض لسلوكيات صادمة للفطرة ومناقضة للدين، تأتي متمشية مع تلك التشريعات في بعض البلدان التي أباحت زواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة وقننت هذا الشذوذ، وحمت أصحابها بقوة القانون. قال تعالى في سورة النور آية 19 { إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة }  وقال تعالى  { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن}   [الأعراف 33] وقال عز وجل  {إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي } [ النحل 90]  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم « لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا»

ومن ذلك أيضا ما تبثه بعض البرامج الفضائية من محاولات لإقناع المشاهدين بقبول تقسيم الميراث بالتساوي بين الذكور والإناث، وما تثيره من دعوات لإلغاء الطلاق الشفهي، في مخالفة صريحة لشرع الله تعالى ولما تواتر من أفعال النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه وما استقر عليه إجماع الفقهاء، ومثل هذه الأطروحات لا تعد مجرد أراء شخصية، بل هي محاولة ممنهجة للانقضاض على ما تبقي من الأحكام الشرعية، واستكمالا لمسار طويل من تعطيل الحدود الشرعية واستبدالها بقوانين وضعية ليست من الشريعة في شيء.

ومن الظواهر التي تسهم في هدم الكيان الأسري، بينما تقف أجهزة الإعلام حيالها صامتة لا تحرك ساكنا، ولا توليها أدنى اهتمام، تفاقم عقوق الأبناء لآبائهم، وما يصاحبه من تمرد وعصيان وجفاء في معاملتهم، إذ يسيئون إليهم، ويغلظون القول، وربما أهانوهم ورفعوا أصواتهم عليهم، ويهملون حق السؤال عنهم، والإحسان إليهم، فيغضبونهم ويكدرون صفو حياتهم ليغدو مصدر شقاء وعناء بدلا من أن يكونوا موضع سعادة وباعثي فرح. وبينما يقصر الابن في حق أبويه اللذين لهما الحق الأعظم، إذ به يحسن إلى صديقه ويكرمه، ويراعي مشاعره، ويغدق عليه ما لا يغدقه على والديه. ويطيع زوجته حتى فيما فيه إساءة للوالدين أو قطيعة رحم، ويقدم رغبتها على حق والديه. ومن أساء إلى والديه وقصر في حقوقهما، هان عليه هجر أقاربه وقطع صلته بهم، على اختلاف درجات قرابتهم، وهو ما يسمى شرعا بقطع الرحم، وهي ما تتفشى صورها وتتعدد طرقها حتى صارت مشهدا مؤلما في واقع كثير من الأسر. ويتحجج البعض بانشغالهم في طلب لقمة العيش ليلا ونهارا، بما لا يترك لهم متسعا من الوقت ليستريحوا ويخلو أحدهم إلى نفسه، فيتساءل عن الأهل والأقارب والأصدقاء، كما يتذرعون أحيانا بالخلافات القائمة بينهم أو بتباعد أماكن إقامتهم ولوجود بعضهم خارج البلاد أو القطر، لكنها حجج لا يعتد بها، ولا تصح أن تكون عائقا لصلة الرحم ولا مبررا لقطعها، خاصة في ظل وجود وسائل التواصل الاجتماعي هذه. قال تعالى  { والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة}   [الرعد 25]  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه» ينسأ له في أثره يعني يؤخر له في الأجل ويطال في عمره جزاء لصلة رحمه، ويكون ذلك بزيادة البركة فيه، أو أنه يكتب له عمراً أطول،  كما يوسع الله له في الرزق، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  « لا يدخل الجنة قاطع»  يقصد قاطع رحم. وهي من الذنوب التي يعجل لصاحبها العقوبة في الدنيا قبل الآخرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم « ذنبان يعجل الله عقوبتهما في الدنيا البغي وقطيعة الرحم» )وفي حديث آخر «ما من ذنب أحرى أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم» .

ومن عق والديه وقطع صلة رحمه، لا يبقى له في العائلة كبير يوقره أو يرجو عطفه، ويخشى جانبه، ولا يرد له كلمة ولا يعصى له أمرا، بل قد يجترئ على الكبير إذا وجد، مما يزيد الطين بلة.

ومن الظواهر التي أخذت في الانتشار ويروج لها أجهزة الإعلام بصورة أو أخرى، انتقاص بعض النساء اهتمامهن بالبيت والزوج والأبناء، لصالح انشغالهن واهتمامهن بالعمل، حتى إن بعضهن يفضلن النجاح المهني وأن يصبحن سيدات أعمال أو ذوات مراكز مرموقة في ميدان عملهن على الارتباط بالزواج، وإيفاء الزوج وبيته وأولاده حقوقهم، مما يؤثر سلبا على ترابط الأسرة واستقراها، ويجعل من الطلاق أمرا شائعا ومطلبا من الزوجة قبل الزوج. ولا غرابة في أن مثل هذه الأمور قد دفعت بعض النساء للتشبه بالرجال، وما قابله من تقليد بعض الرجال للنساء، حتى بدا كلا الجنسين متقاربين إلى حد التطابق، ولم يعد التشابه بينهما مقتصرا على المظهر في الهيئة والملبس، ولا على السلوكيات حيث يتعمد كل منهما تقمص صفات الآخر، بل تجاوز ذلك إلى الجوهر، فصار التشابه يمس الفطرة والطباع الأساسية لكل جنس، على نحو يخالف ما فطرهما الله عليه. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء, والمتشبهات من النساء بالرجال. كما لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس ملابس المرأة، والمرأة تلبس ملابس الرجل. لذا لا يجوز للمرأة أن تتشبه بالرجل ولا للرجل أن يتشبه بالمرأة، فتشابه كل منهما بالآخر حرام. قال تعالى {وليس الذكر كالأنثى} آ [ل عمران 36] .

ومن الظواهر التي تتناولها أجهزة الإعلام وتدعو لها، المقارنة بيننا وبين غيرنا من غير المسلمين، بازدراء حالنا وتبجيل حالهم، كما لو كانت تحث على تقليدهم والاقتداء بهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من تشبه بقوم فهو منهم )  وفي رواية ( حشر معهم ) أي من شبه نفسه بالكفار مثلاً في اللباس وغيره أو بالفساق أو الفجار أو بأهل التصوف والصلحاء الأبرار فهو منهم، أي في الإثم والخير. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( «ليس منا من تشبه بغيرنا لا تشبهوا باليهود ولا النصارى» ).

فلا يجوز لنا تقليد الأمم الأخرى، لا في أديانهم وبدعهم وكفرهم، ولا في قوانينهم وأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم، ولا في طرائق معيشتهم وأساليب حياتهم، فنصبح نسخة مشوهة منهم، نسقط في مستنقع الرذيلة كما سقطوا، نفعل المعاصي والآثام والشر كما فعلوا، نأكلوا الربا كما أكلوا، وننشر الزنا والقبائح كما نشروا، وندعوا إلى كل ما يخالف الفطرة السوية والشرائع الربانية. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( « لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة وفي لفظ شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه قالوا: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال فمن » ) وقوله صلى الله عليه وسلم (حذو القذة بالقذة وفي لفظ شبرا بشبر وذراعا بذراع ) أي أن المشابهة ستكون كاملة حتى تقترب من المطابقة، والإتباع سيكون في صغير الأمر وكبيره، جليله وحقيره، حتى لو كان منهم من يأتي أمه علانية لكان من هذه الأمة من يفعل ذلك. وقوله صلى الله عليه وسلم ( «حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه » ضرب النبي صلى الله عليه وسلم المثل بجحر الضب لشدة ضيقه ورداءته، ونتن ريحه وخباثته. ولنا أن نأخذ من علومهم الدنيوية ما ينفع دنيانا ويعيننا على ديننا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( « لا تقوم الساعة حتى يلحق حي من أمتي المشركين وحتى تعبد فنام من أمتي الأوثان» ) الترمذي.

وبينما يقع على أجهزة الإعلام مسئولية، تعزيز العلاقات والروابط الإنسانية، وتسليط الضوء على النماذج الإيجابية، وتصويب السلوكيات السلبية، إذا بها في كثير من أطروحاتها، تبث وترسخ النقيض من ذلك، فهي تكرس صورا لتعايش ظاهري بين الناس، يتقاربون فيه جسديا، يلتقون ويجتمعون ويخالط بعضهم بعضا، ولكن قلوبهم متباعدة، وأرواحهم متنافرة، غاب عنها التواصل والتودد الصادق، لا يسأل بعضهم عن بعض، ولا يتفقدون أحوال بعض، ولا يساند بعضهم بعضا في المناسبات والمواقف الصعبة، فلا رحمة تظل تعاملاتهم، ولا شفقة تلينها، ولا عطف يسودها، بل تغلب عليها القسوة، حتى غدا المجتمع إلا من رحم الله، أجسادا متجاورة بلا مودة ولا إحساس بالأخوة، ولعل أبرز مثال على ذلك، ما تشهده تجمعات الناس ومجالسهم، في المنازل وخارجها، يلتفون ويتجالسون بجوار بعضهم، لكن لا يدور بينهم حديث، ولا يصغي أحدهم للآخر، فقد استحوذ على كل منهم هاتفه المحمول، وغاب في عالمه، لا يلقي بالا ولا يقيم وزنا ولا اهتماما لم يدور حوله.  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ) وقال ( «من لا يرحم لا يرحم» ) وقال ( «لا تنزع الرحمة إلا من شقي» ). ويمتد هذا الخلل ليطال الجار فيصيبه ما يصيب غيره من الجفاء وسوء المعاملة والإيذاء بالقول أو الفعل، وعدم مراعاة حقوقه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن ) قيل: من يا رسول الله؟ قال ( «الذي لا يأمن جاره بوائقه » ) وقال (  «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه» ) وقال (  «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » ).

والأدهى من ذلك وأمر، ما أحدثته هذه الممارسات من انتزاع الثقة بين الناس، حيث غدا المرء قلقا من أن يكون جليسه، سواء كان صديقا أو جارا أو أيا من أقاربه، سببا في خيانته، بنقل حديثه، ويفشي سره، ويشي به، ويستخدم كلماته للإيقاع به وتوريطه فيما لا يحتمل. مما يجعل الناس جميعا في حالة ريبة ووجل وخوف دائم من بعضهم البعض، فلا يثق أحدهم بالآخر، ولا يتعاونون مع بعض، ويعيش كل منهم منفردا بحالة منعزلا عن الآخرين. كما ساهمت كثير من المنابر الإعلامية في ترسيخ سلوكيات مذمومة، فكثر بسببها الكذب، وشاعت شهادة الزور، وتجرأ الناس على الحلف بغير الله، بل صار الحلف بالله عادة دراجة بينهم على ألسنتهم في كل كبيرة وصغيرة دون استحلاف، في استخفاف ظاهر بجلال اسم الله وتعظيمه، وغدا المرء يشهد فيما لم يشهده، ويقسم فيما لا علم له به.

ومن هذه الظواهر كذلك ما تبثه وسائل الإعلام على الهواء مباشرة، من حفلات ماجنة، تمتلئ بالمعازف الصاخبة والمغنيات المثيرات، والاختلاط الفاضح، والعري لا يعرف الحياء، وبيان بثها من أماكن لم يكن يخطر على بال أحد يوما ما أن تطأها وتدنسها مثل هذه الانحرافات، حفلات تقدم فيها الخمور والمسكرات على الملاء، وكأنها صارت أمرا عاديا ومألوفا لديهم، غير مكترثين بعواقبها ولا بعقوبتها الشرعية، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام ( «يشرب الناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها» ).

ولم يتوقف الأمر عن هذا الحد، بل ظهرت منكرات أخرى، صرفت أسماؤها عن حقيقتها وألصق بها من العبارات مما يوحي بإباحتها، ليقبل عليها الناس بلا تورع. ومن تلك المظاهر كذلك ما تبثه وسائل الإعلان بين الحين والآخر، عن زيادة جديدة في سعر الفائدة على الإيداعات بالبنوك، أو إصدار شهادات جديدة بعوائد أكبر، فيتسابق المودعون على شراء ما هو أكثر ربحية وأعلى فائدة ربوية، وكأنها تجارة مشروعة، لا شبهة فيها، ولا أنها كبيرة من الكبائر، وقد سارت غالبية المعاملات المالية قائمة على النظام الربوي من خلال البنوك، سواء في الشراء أو البيع، الإيداع أو السحب، الإقراض أو الاقتراض، مما جعل أكل الربا واقعا معاشا لكثير من الأفراد والمؤسسات، حتى لو لم يدركوا ذلك.

وإذا كان الإعلام قد ساهم في بث ونشر بعض الأمور المقيتة، على نحو يخالف واجبه في استهجانها ورفضها، فإنه مع ذلك لم يختلق الأحداث ولم يزيف الحقائق ولم يزور الوقائع، فواقع الحياة يشهد بما هو أشد فحشا وأعظم نكرا مما يعرض، فها هي المعاصي ترتكب جهارا نهارا، والآثام تقترف على الملأ أمام أعين الناس، والمحرمات تسود سلوكيات كثيرين، والموبقات يجترأ عليها بلا وجل ولا حياء، بل لقد غدا القائمون على ذلك يظهرون أنفسهم بجرأة وزهو، كأنهم يتباهون بها، في مشهد يؤكد أنها لم تعد حالات فردية بل باتت ظاهرة متفشية في المجتمع. وعلى مر التاريخ كان شيوع مثل هذه المعاصي، سببا لهلاك الأمم وزوال الحضارات، قال تعالى ( {فأهلكناهم بذنوبهم} ) [الأنعام 13]  فضلا عن العذاب الأخروي الذي أعده الله للعاصيين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يا معشر المُهاجرين خمس إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم ) وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن المعصية إذا أعلنت دب بلاؤها إلى العامة والخاصة ولم يقتصر وبالها على مرتكبها.

وإن كان ظهور مثل هذه المنكرات والإعلان عنها، سواء من خلال أجهزة الإعلام أو من قبل فاعليها، مصيبة حقيقية على مجتمعاتنا، فإن ما هو أفدح ضررا وأكبر هولا، هو ترك واجب إنكارها، فالتهاون عن هذا الحق، يزيد البلاء تفاقما ويجعل أثره أعظم وقعا. فلا أحد ممن يملكون سلطة المنع والحجب، ينكر أو يحظر ما يبث ويذاع على هذه الفضائيات، ولم تتخذ أي من الإجراءات لمحاسبة المسئولين عن ذلك أو مقاضاتهم ووقف برامجهم، كما أن الجهات الرسمية تتنصل من كل مسئولية، ولا يرفع علماء الدين أصواتهم بالإنكار، تجاه سائر الموبقات السالفة الذكر، فهل يتوقع من العامة، الذين لا يعرفون من الإسلام إلا شعائره وبعض أولوياته، ولا يخطر لهم على بال، أن أجهزة تلفزيون بلدهم تذيع أمورا مخالفة لدينهم، بل ومنهم من يتخذ ما يقدم لهم في البرامج التلفزيونية، مرجعا ومصدرا لمعلوماتهم، ويستشهدون بها في توجيه مسار حياتهم، أن ينكروا ويبغضوا ما لا يدركون أنه محرم ومخالف لتعاليم الإسلام؟. وكأن الجميع قد رضوا بالأمر الواقع فآثروا الصمت. وفي صحيح البخاري والترمذي عن النعمان بن بشير عن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا أي اقترعوا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا. فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وأن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا» ). وإن كان لكل منكر عقوبة، فلعدم إنكاره عقوبة أيضا، تصيب الجميع، تصيب مرتكب المنكر والعصاة والفساق والظلمة من جهة، ومن جهة أخرى تصيب من لم يقترف ما اقترفوه من ذنوب، ومن لم يسلك مسلكهم، ومن ليس على شاكلتهم، لا تفرق بين صالح وطالح، وبين طيب وخبيث، فتطال الجميع وتشملهم بلا استثناء. قال تعالى في سورة الأنفال آية 25 ( { واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ) وقال ابن عباس: أمر الله عز وجل المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم، فيعمهم الله بعذاب، يصيب الظالم وغير الظالم. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( « إن الله لا يعذب العامة بعمل الخاصة حتى يروا المنكر بين ظهرانيهم وهم قادرون على أن ينكروه فلا ينكروه فإذا فعلوا ذلك عذب الله العامة والخاصة» ) وفي صحيح مسلم، عن زينب بنت جحش، سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟. قال ( «نعم إذا كثر الخبث» ). وعن أم سلمة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول  «( إذا ظهرت المعاصي في أمتي عمهم الله بعذاب من عنده ) فقالت: يا رسول الله أما فيهم يومئذ أناس صالحون؟. قال ( بلى ) قلت: فكيف بأولئك؟. قال ( يصيبهم ما أصابهم ثم يصيرون إلى مغفرة من الله ورضوان )» وعن حذيفة بن اليمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجيب لكم )» . وإذا كان قوله تبارك وتعالى ( {ولا تزر وازرة وزر أخرى} ) [الزمر 39] وقوله ( {كل نفس بما كسبت رهينة} ) [المدثر 38] يوجب ألا يؤخذ أحد بذنب أحد، وإن تتعلق العقوبة بصاحب الذنب، إلا أن الناس إذا تظاهروا بالمنكر فمن الفرض على كل من رآه أن يغيره، باليد أو باللسان أو بالقلب وهو أضعف الإيمان، فإذا سكت عليه الجميع فكلهم عاص، هذا بفعله، وهذا برضاه، وقد جعل الله في حكمه، الراضي بمنزلة العامل، فاستحقا العقوبة. ومنها ما صح عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية ( {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم}    [المائدة105] وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول  ( إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه ) رواه أصحاب السنن إلا النسائي. ولذا كان قوله تعالى ( { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} ) {آل عمران 104} ولتكن منا أمة فرقة جماعة أو هيئة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهى أصحاب المنكر عن ارتكابه، وتأخذ على أيديهم وتمنعوهم من البغي، وتقوم بواجب النصح والإنكار، وتقاوم فسادهم وتمنعهم من الظلم، وتتصدى لفسادهم، وإن كان ذلك واجبا على كل فرد من الأمة بحسبه، فإنكار المنكر فريضة شرعية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت في صحيح مسلم ( «من رأي منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» ) وفي رواية أخرى  «وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل» .

  • 1
  • 0
  • 114

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً