( حقيقة الدنيا وزاد الرحيل )

منذ 19 ساعة

قَالَ سفيان الثوري رحمه الله: «مَا أَحَبَّ عَبْدٌ الدُّنْيَا إِلَّا أَضَرَّتْ بِآخِرَتِهِ، وَلَا آثَرَ الآخِرَةَ إِلَّا رَبِحَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ».

أَمَّا بَعْدُ، فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ.


قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ}، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: {وَمَا الحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الغُرُورِ}، فَهَذِهِ الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ لَا دَارُ مَقَرٍّ، يَفْنَى نَعِيمُهَا، وَيَبْقَى حِسَابُهَا، يَفْرَحُ بِهَا الْغَافِلُونَ، وَيَزْهَدُ فِيهَا الْعَارِفُونَ.

 


أَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ»، فَكَأَنَّكَ مُسَافِرٌ لَا يَسْتَقِرُّ، يَأْخُذُ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُبَلِّغُهُ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا قَلْبُهُ.

 


وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ ۝ حَتَّى زُرْتُمُ المَقَابِرَ}، فَسَمَّى دُخُولَ القُبُورِ زِيَارَةً، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ بَعْدَهَا رُجُوعًا وَبَعْثًا وَحِسَابًا.

 


أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَادِمِ اللَّذَّاتِ»، يَعْنِي المَوْتَ، فَإِنَّهُ يُقَصِّرُ الأَمَلَ، وَيُوقِظُ القَلْبَ، وَيَحْمِلُ عَلَى العَمَلِ.

 


وَقَالَ تَعَالَى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ}، فَلَا يَنْجُو مِنْهُ أَحَدٌ، وَلَا يَدْفَعُهُ مَالٌ وَلَا جَاهٌ وَلَا قُوَّةٌ، بَلْ هُوَ مَوْعِدٌ مَكْتُوبٌ.

 


أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا…»، فِي آخِرِهِ: «ثُمَّ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِهِ»، فَالسَّعِيدُ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ، وَالشَّقِيُّ مَنْ خُتِمَ لَهُ بِشَرٍّ.

 


أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ، وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ المَوْتِ، وَالعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ الأَمَانِيَّ».

 


وَكَانَ يُقَالُ: إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ ارْتَحَلَتْ مُدْبِرَةً، وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدْ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ، وَلَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ وَلَا حِسَابَ، وَغَدًا حِسَابٌ وَلَا عَمَلَ.

 


وَقِيلَ: مَا عَالَجَ أَحَدٌ شَيْئًا أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ، إِنْ أَرَادَهَا عَلَى طَاعَةٍ تَمَرَّدَتْ، وَإِنْ تَرَكَهَا عَلَى هَوَاهَا هَلَكَتْ.

 


قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ}، وَقَالَ: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا المُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.

فنحن جميعا مأمورون بالمسارعة إلى مغفرة الله ، والتوبة النصوح باستمرار.

أَخْرَجَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً».

 


قَالَ الحسن البصري رحمه الله:

«يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّمَا أَنْتَ أَيَّامٌ، كُلَّمَا ذَهَبَ يَوْمٌ ذَهَبَ بَعْضُكَ، وَيُوشِكُ إِذَا ذَهَبَ البَعْضُ أَنْ يَذْهَبَ الكُلُّ».

 


فالايام تسرع بنا إلى الدار الاخرة ونحن في غفلة.

 


قَالَ سفيان الثوري رحمه الله:

«مَا أَحَبَّ عَبْدٌ الدُّنْيَا إِلَّا أَضَرَّتْ بِآخِرَتِهِ، وَلَا آثَرَ الآخِرَةَ إِلَّا رَبِحَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ».

 


أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ».

 


أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ».

 


فَاغْتَنِمُوا أَعْمَارَكُمْ، وَأَصْلِحُوا سَرَائِرَكُمْ، وَطَهِّرُوا قُلُوبَكُمْ، وَاسْأَلُوا اللَّهَ الثَّبَاتَ.

 


اللَّهُمَّ أَصْلِحْ قُلُوبَنَا، وَاغْفِرْ ذُنُوبَنَا، وَارْحَمْ ضَعْفَنَا، وَاخْتِمْ لَنَا بِالصَّالِحَاتِ، وَاجْعَلْ خَيْرَ أَعْمَالِنَا خَوَاتِيمَهَا، وَخَيْرَ أَيَّامِنَا يَوْمَ نَلْقَاكَ

خالد بن عبد الرحمن الشايع

بكلوريوس في الشريعة الإٍسلامية ومن طلبة الشيخ ابن باز رحمه الله

  • 1
  • 0
  • 106

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً