غض البصر... عبادة في زمن الفتن

منذ 4 ساعات

في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وتيسرت وسائل النظر المحرم من كل جهة، في الجوالات في الشارع، في الأجهزة، في الإعلانات، في الأسواق، بل حتى في البيوت، صار غض البصر عبادة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس.

في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وتيسرت وسائل النظر المحرم من كل جهة، في الجوالات في الشارع، في الأجهزة، في الإعلانات، في الأسواق، بل حتى في البيوت، صار غض البصر عبادة عظيمة يغفل عنها كثير من الناس.

 

يقول الله عز وجل:

{قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].

 

ويقول النبي صلى الله عليه وسلام:

«يا علي، لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة» (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

 

النظرة سهم مسموم من سهام إبليس، وقد تفتح بابًا من أبواب الشهوات لا يُغلق، وتورث ألمًا في القلب لا يُحتمل.

 

تذكّر أيها المؤمن...الله يراك، وإن غفلت، ويسمع وسوسة نفسك، وإن نسيت، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.

 

وقد تشهد عيناك عليك يوم القيامة، يوم لا ينفعك تبرير ولا عذر،

 

قال الله تعالى: {حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [فصلت: 20].

 

غضّ البصر... راحة للقلب

 

قال ابن القيم رحمه الله:

"غض البصر يورث القلب نورًا، وانشراحًا، وسكينةً، أعظم من لذّة النظر."

 

وصدق رحمه الله،

 

فكم من نظرةٍ أفسدت قلبًا، وكم من طرفٍ جلب همًّا!

 

قال الشاعر:

كُلُّ الحَوادِثِ مَبدَأُها مِنَ النَّظَـــــرِ   **   وَمُعظَمُ النارِ مِن مُستَصغَرِ الشَّرَرِ 

كَم نَظرَةٍ فَتَكَت في قَلبِ صاحِبِها   **   فَتكَ السِّهامِ بِلا قَوسٍ وَلا وَتَــــرِ 

 

شابٌّ صادقٌ في عبادته، محافظٌ على صلاته، لكنه كان يبتلى بالنظر، وفي يومٍ نظر نظرةً محرّمة أطالت تفكيره، فضعفت نفسه، وتغير قلبه، وانطفأ نوره،

 

حتى قال: “كنتُ أجد لذة في الصلاة، والقرآن، والآن قلبي قاسٍ، وجسمي ثقيل، ونفسي مكسورة.”

 

فجاءه أحد الصالحين فقال له:"دع عنك النظر، يغسل الله قلبك، ويرد إليك لذّتك."

 

فغض بصره، وحارب هواه، فأقسم بالله: “عاد لي قلبي، وعاد دمعي في السجود، وعادت راحتي!”

 

خرجَ العبد الصالح سليمان بن يسار رحمه الله من بلدته مسافراً ومعه رفيق له، فانطلقوا إلى السوق ليشتري لهم طعاماً، وقعد سليمان ينتظره

 

وكان سليمان بن يسار وسيماً قسيماً من أجمل الناس وجهاً، وأورعهم عن محارم الله!!

 

فبصُرت به أعرابيّة من أهل الجبل، فلما رأت حسنهُ وجماله انحدرت إليه، وعليها البرقع، فجاءت فوقفت بين يديه

 

فأسفرت عن وجهٍ لها كأنه فلقة قمرٍ ليلة التمام ثم قالت: "هبني".

 

فغض بصرهُ عنها! وظن أنها فقيرة محتاجة تريد طعاماً، فقام ليُعطيها من بعض الطعام الموجود لديه

 

فلمّا رأت ذلك قالت له: لستُ اريد هذا طعاماً، إنما أريد ما يكون بين الرجل وزوجته!!

 

فتغيّر وجه سليمان وتمعّر وصاح فيها قائلاً: " لقد جهزّك إبليس!!"

 

ثم غطى وجهه بكفّيه، ودسّ رأسه بين ركبتيه، وأخذ بالبكاء والنحيب!!

 

فلما رأت تلك المرأة الحسناء أنه لا ينظر إليها، سَدلَت البرقع على وجهها، وانصرفت ورجعت إلى خيمتها.

 

وبعد فترة، جاء رفيقه وقد اشترى لهم طعامهم، فلما رآى سليمان عيناهُ من شدّة البكاء وانقطع صوته

 

قال له: ما يبكيك؟!!

 

قال سليمان: خيراً!! ذكرت صبيتي وأطفالي!!

 

فقال رفيقهُ: لا!! إن لك قصة!! إنما عهدك بأطفالك منذ ثلاث أو نحوها

 

فلم يزل به رفيقه حتى أخبره بقصة المرأة معه!! فوضع رفيقه السفرة، وجعل يبكي بكاء شديداً

 

فقال له سليمان:وأنت ما يُبكيك!!

 

فقال رفيقه: أنا أحقّ بالبكاء منك!!

 

قال سليمان:ولم؟!!!

 

قال: لأنني أخشى أن لو كنت مكانك لما صبرتُ عنها!!

 

فأخذ سليمان ورفيقه يبكيان!!

 

ولما انتهى سليمان إلى مكة وطاف وسعى، أتى الحجر واحتبى بثوبه، فنعس ونام نومة خفيفة.

 

فرأى في منامه، رجلاً وسيماً جميلاً طولاً، له هيئة حسنة ورائحة طيبة،

 

فقال له سليمان: من أنت يرحمك الله؟!!

 

قال الرجل: أنا يوسف النبيّ الصديق ابن يعقوب

 

قال سليمان: إن في خبرك وخبرِ امرأة العزيز لشاناً عجيباً

 

فقال له يوسف عليه السلام: بل شأنك وشأن الأعرابية أعجب!!! [حلية الأولياء لأبي نعيم (191/2)]

 

تذكر...«من ترك شيئًا لله، عوّضه الله خيرًا منه»

 

ما الذي يعينك على غض البصر؟

• الاستحياء من الله، فهو يراك.

 

• ذكر الآخرة، وأن العين ستشهد عليك.

 

• الزواج، لمن استطاع.

 

• الفرار من مواطن الفتنة.

 

• مجاهدة النفس... فإن الجنة حُفت بالمكاره.

 

ختامًا...

يا من أطلق عينه في الحرام... تب قبل فوات الأوان،

ويا من غَضَّ بصره... اصبر، فلك أجرٌ لا يعلمه إلا الله.

اللهم طهّر قلوبنا، وحفظ أبصارنا، ووفقنا لغض البصر،

اللهم ارزقنا خشيتك في السر والعلن،

اللهم ثبتنا على طاعتك، واحفظ جوارحنا عما لا يرضيك.

وصل اللهم على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

_____________________________________________
الكاتب: د. أمير بن محمد المدري
المصدر/ شبكة الألوكة

  • 0
  • 0
  • 21

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً