شجاعة الجبناء
لقد أصبحتُ اليوم على يقين أنَّ أحدًا من الصحابة الكرام من الصف الأول لو بعث فينا اليوم وتولى إمرة المسلمين لكان فيهم المنتقِد والمعترض والممتعض، ولسعى طائفة منهم لتصفيته جسديا، وكنت قبل ذلك أستغرب حينما أقرأ في قَصص التاريخ كيف لرجل مثل ذي النورين عثمان بن عفان صهر الرسول عليه الصلاة والسلام يتم اغتياله في داره بين أهله ومقربيه، وهو من هو شرفا ومكانة وسبقا في الإسلام، والقتلة من أهل القبلة، يريدون بفعلتهم الشنيعة هذه نصرة الدين والقضاء على رأس الفتنة في نظرهم، مع كونه في منصب الولاية العظمى خليفة للمسلمين، لاعتراضات واهية سمجة لا ترقى لأن تكون شبهة!!
ولم يكن بطلُ الإسلام المغوار عليٌّ الكرار أحسنَ حالا من سابقه، فقد ناله ما نال الأول من خروج سافر وقتال جائر من طائفةٍ جاء وصفُهم على لسان من لا ينطق عن الهوى، "حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام"، مع أنهم أهل صلاة وقرآن وعبادة وذكر، لكن أشرفهم لا يساوي قُلامةَ ظفر علي رضي الله عنه، أرادوا حسب ظنهم تقويم اعوجاج إمام المسلمين، ونصرة الدين، فسفكوا الدم الحرام بالتأويل الفاسد، وانتهى بهم الأمر إلى اغتيال الخليفة والغدر به وهو متوجه إلى المسجد لصلاة الفجر.
إذا قرأت في سيرة قاتله ابن ملجم سترى العجب العجاب!! علم وعبادة، زهد وورع، قرآن وحديث، وقد صاح بعد أن ارتكب جريمته؛ فزتُ وربِّ الكعبة!!
تذكرني جرأةُ بعض المتشدقين بأفواههم أو أقلامهم بذلك السفيه من الهمج الرعاع، حينما وقف أمام الجموع لينتقد قامةً عظيمة في الإسلام، من العشرة المبشرين بالجنة كذلك، فيقول: إن سعدًا لا يسير في السرية، ولا يقسم بالسوية، ولا يعدل في الرعية!!
ربما كان في حالة من الزهو في نفسه والناس ينظرون إليه، ينتظر منهم الإعجاب بشجاعته وجرأته في قول الحق أمام سلطان جائر، وأنه لا يخاف في الله لومة لائم!!
ورأينا كيف أخزاه الله ورد كيده!
ولأهل الرياء من المقت والعذاب ما هو أشد وأخزى.
لقد رأينا أشياخًا كنا نعدُّهم من الأخيار، يصرخون في الملأ وعلى القنوات الفضائية بأعلى أصواتهم: يا ريِّس اتق الله - ويمدُّ بها صوته- !! وقد كان مع الذي قبله لا يَنبِسُ ببنت شَفة، ومع الذي جاء بعده كالأرنب، لا صوتَ ولا حركة!!
يا ويحَ أمتنا من خوارجها، لا يرقبون في أمير صالح إلاًّ ولا ذمة، فالأمير عند كل واحد منهم يجب أن يكون متطابقا في المواصفات والمقاييس مع الصورة الذهنية التي في مخيلته، فإن حاد عنها لاجتهاد أو مصلحة يعلمها، قيد أنملة استحلوا دمه وعرضه!!
ولا يشفع له ماض صالح من جهاد وتضحية، حتى ولو فتح الفتوح ومصر الأمصار، وأطاح برؤوس الكفر من الطغاة والفجار!!
إذا كان على نهجهم ومن تحت مظلتهم عظموه ووقروه، وعزروه ونصروه، وغضوا الطرف عن سوءاته، وتأولوا له اجتهاداته بل وزلاته، وإذا كان من فئة أخرى تصيَّدوا له الهفوات، وتتبعوا له العورات، وحملوا أقواله وأفعاله على أسوء محمل، ورفعوا عقائرهم بالنقد، وهموا أن يقيموا عليه الحد!!
اللهم رحماك بهذه الأمة التي لم تسلم من ظلم عدوها من الخارج، وبغي أبنائها من الخوارج.
جمال الباشا
مؤهلات الشيخ جمال بن محمد الباشا: ماجستير في القضاء الشرعي، دكتوراه في الفقه وأصوله، رسالة الدكتوراه في السياسة الشرعية، مدرس في أكاديمية العلوم الشرعية.
- التصنيف: