القوة الهادئة سر النجاح
أيها الشباب، إن القوة التي تغير دون ضجيج، ليست برفع الصوت، ولا بالجدال، ولا بإخضاع الآخرين، إنما القوة الحقيقية أن تكون سيد نفسك، وأن تختار هدوءك حين يختار غيرك الصراخ..
في عالم يضج بالصوت العالي، والانفعالات السريعة، وردود الأفعال المتعجلة، تبرز قوة مختلفة لا تُرى بسهولة، ولا تُقاس بالضجيج، إنها القوة الهادئة، هي قوة تخرج بدون صراخ، وبدون اندفاع، ولا تحتاج إلى إثبات لذاتها، لكنها حين تحضر تغير النتائج، وتبني الإنسان من الداخل قبل أن تقنع الآخرين من الخارج، هي قيمة أصيلة راسخة في التربية الإسلامية، تتجلى في خلق عظيم اسمه: كظم الغيظ؛ قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134].
القوة الهادئة من سماتها أنها تربي الطفل منذ صغره على مبدأ بسيط وعميق: أن القوة الحقيقية ليست في رد الفعل، بل في السيطرة على النفس، والمربي الناجح لا يصرخ، ولا يعاقب بانفعال، ولا يدخل في صراع نفسي مع طلابه، بل يستخدم: الصمت الهادف، والنظرة الواعية، وضبط المشاعر، والتدرج في التوجيه، ويؤمن بأن الطالب الذي يرى معلمه ثابتًا في انفعالاته، يتعلم الانضباط الداخلي قبل الانضباط الخارجي؛ قال عبدالرزاق: "جعلت جارية لعلي بن الحسين تسكب عليه الماء يتهيأ للصلاة، فسقط الإبريق من يد الجارية على وجهه فشجه، فرفع علي بن الحسين رأسه إليها، فقالت الجارية: إن الله عز وجل يقول: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ} [آل عمران: 134]، فقال لها: قد كظمت غيظي، قالت: {وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134]، قال: قد عفا الله عنك، قالت: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران: 134]، قال: فاذهبي فأنت حرة"؛ [كتاب العقد الفريد].
أيها الشباب، قد يظن بعض الناس أن القوة في الإسلام هي الغضب والشدة، لكن النبي صلى الله عليه وسلم صحح هذا المفهوم بوضوح حين قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب»؛ (رواه البخاري)، فالقوي في ميزان الإسلام هو من ينتصر على نفسه، لا من ينتصر على الآخرين؛ قال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126]، وهذا هو جوهر القوة الهادئة: أن تشعر، لكن لا تنفجر، أن تغضب، لكن لا تظلم، أن تملك الانفعال، لا أن يملكك.
أيها الشاب المبارك، إن القارئ لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم يدرك أنه أعظم نموذج للقوة الهادئة، فقد تجلت القوة الهادئة في شخصية النبي صلى الله عليه وسلم في مواقف لا تُحصى: شتم فلم ينتقم، أوذي فلم يبطش، اتهم فلم ينفعل، قدر فعفا، انظر إلى يوم فتح مكة، وهو في ذروة القوة، قال لمن آذوه سنين طويلة: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»؛ [كتاب سيرة ابن هشام]، هذا ليس ضعفًا منه صلى الله عليه وسلم بل قمة السيطرة على النفس، واقرأ قصته مع الأعرابي الذي بال في المسجد، حينها ثار الصحابة، لكنه صلى الله عليه وسلم قال بهدوء: «دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء -أو سَجلًا من ماء- فإنما بُعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين»؛ (رواه البخاري)، ثم علمه بلطف، فأي تربية أعظم من هذه؟ هدوء يحفظ الكرامة، ويصلح الخطأ، ويزرع الاحترام في القلوب.
أيها الشباب، إن القوة التي تغير دون ضجيج، ليست برفع الصوت، ولا بالجدال، ولا بإخضاع الآخرين، إنما القوة الحقيقية أن تكون سيد نفسك، وأن تختار هدوءك حين يختار غيرك الصراخ، وأن تضبط غضبك حين يندفع الآخرون، أن تبقى ثابتًا مثل شجرة مستقيمة تتمايل مع الريح لكنها لا تنساق.
________________________________________
الكاتب: عدنان بن سلمان الدريويش
- التصنيف: