من جنايات الظنون
ليستِ المواقفُ – في كثيرٍ من الأحيان – هي التي تُرهق الأرواح، ولا الحوادثُ هي التي تُثقِل القلوب؛ ولكنها الظنونُ التي ننسجها حولها، والتأويلاتُ التي نُضفيها عليها
ليستِ المواقفُ – في كثيرٍ من الأحيان – هي التي تُرهق الأرواح، ولا الحوادثُ هي التي تُثقِل القلوب؛ ولكنها الظنونُ التي ننسجها حولها، والتأويلاتُ التي نُضفيها عليها، حتى تغدو في نفوسنا أكبرَ من حقيقتها، وأشدَّ وقعًا من صورتها.
فالموقفُ في ذاته صامتٌ ساكن، لا يحمل إلينا حزنًا ولا خصومة، ولكننا نُعيره من أوهامنا لسانًا يتكلّم، ومن خواطرنا وجهًا يتجهّم، ثم نعيش أسرى لما صنعته عقولُنا، لا لما وقع في الواقع، ونخاصمُ الموقفَ على شيءٍ نحن الذين صغناه، لا على ما كان منه.
وكم من كلمةٍ عابرةٍ ضاق بها الصدر، ولو أننا طأطأنا لها رأس التجاوز لانطفأت كما تنطفئ الشرارةُ في الماء؛ ولكننا حمّلناها من الظنون ما جعلها جرحًا طويلَ الأثر، لا لأن الكلمة كانت عظيمة، بل لأن التأويل كان ثقيلًا، ولأننا ألبسناها من المعاني ما لم يُرِده قائلُها.
فليس الذي يُتعِبنا دائمًا ما يقع، بل ما نُوقِعه نحن في أنفسنا من معانيه، وما نُبالغ فيه من تفسيره، حتى نُحوِّل اللحظةَ العابرةَ قضيةً، والكلمةَ العَجْلى جرحًا، والظنَّ الصغير همًّا كبيرًا.
وإنك لترى الأمرَ هيِّنًا في حقيقته، فإذا دخل قلبَك خرج على غير صورته؛ كأنما هو ماءٌ صافٍ صُبَّ في إناءٍ كَدِر، فما كدَّر الماءَ إلا الإناء.
إنما الحياةُ – يا صاح – مرآةُ قلبك؛ إن صفا صفَت، وإن كَدِر كَدِرت. فخفِّف عن قلبك ثِقل الظنون، وسوء التأويل، ودَعْ للأشياء عفويتها، وأحسِن الظنَّ ما استطعت؛ فإن كثيرًا مما نخشاه في عقولنا ليس له وجودٌ في واقعنا، وإنما هو وَهمٌ صغيرٌ صاغه الخاطر، حتى صار في النفس جبلًا من العناء.
ولعلَّ المتنبي أشار إلى هذا المعنى حين قال:
أفاضل الناس أغراض لذا الزمن ** يخلو من الهمِّ أخلاهم من الفِطَن.
فليس كلُّ تعبٍ مصدره الواقع، بل كثيرٌ منه من فرطِ التفكّر، واسترسالِ النفسِ مع الظنون، وإغراقِ العقلِ في التأويل؛ حتى تتحوّل الأشياءُ الصغيرة في مرآة القلب إلى صورٍ مُضخَّمةٍ تُثقِل الروح وتُكدِّر صفو الحياة.
فالعاقلُ ليس مَن يُكثرُ الالتفاتَ إلى كل خاطر، بل من يُحسنُ العبورَ فوق كثيرٍ من الظنون، ويتركُ للأشياء بساطتها الأولى قبل أن تعبثَ بها أوهامُ النفس.
__________________________________
الكاتب: طلال الحسان
- التصنيف: