وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا

منذ 3 ساعات

{{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا}} على طاعة الله واجتناب محارمه والدعوة لسبيله واحتمال الأذى.

{بسم الله الرحمن الرحيم }

يقول تعالى في سورة الإنسان

{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (12) مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا (13) وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا (14) وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (15) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (16) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (17) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (18) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (19) وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (20) عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (21) إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (22)}

{{وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا}} على طاعة الله واجتناب محارمه والدعوة لسبيله واحتمال الأذى.

والجملة دمج الجامع لأحوال التقوى والعمل الصالح كله لأن جميعه لا يخلوا عن تحمل النفس لترك محبوب أو فعل ما فيه كلفة، ومن ذلك إطعام الطعام على حبه.

{{جَنَّةً وَحَرِيرًا}} منزلا رحبا، وعيشا رَغَدًا، ولباسًا حَسَنًا يلبسونه ويتزينون به.

وكان الجزاء برفاهية العيش إذ جعلهم في أحسن المساكن وهو الجنة، وكساهم أحسن الملابس وهو الحرير الذي لا يلبسه إلا أهل فرط اليسار، فجمع لهم حسن الظرف الخارج وحسن الظرف المباشر وهو اللباس.

وروى الحافظ ابن عساكر في ترجمة هشام بن سليمان الدّارَاني قال: قرئ على أبي سليمان الداراني سورة: {هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ} فلما بلغ القارئ إلى قوله: {وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا} قال بما صبروا على ترك الشهوات في الدنيا، ثم أنشد:

كَم قَتيل بشَهوةٍ وأسير ... أفّ مِنْ مُشتَهِي خِلاف الجَميلِ

شَهوَاتُ الإنْسان تورثه الذُّل ... وَتُلْقيه في البَلاء الطَّويلِ

{{مُتَّكِئِينَ فِيهَا}} الاتكاء: جلسة بين الجلوس والاضطجاع يستند فيها الجالس على مرفقه وجنبه ويمد رجليه وهي جلسة ارتياح، وكانت من شعار الملوك وأهل البذخ، ولهذا قال النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (أَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا) [الترمذي وصححه الألباني]، قال تعالى: {وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً} [يوسف:31]

{{عَلَى الْأَرَائِكِ}} جمع أريكة: وهي سرير عليه وسادة معها سِتْرٌ وَهُوَ حَجَلَتُهُ، وَالْحَجَلَةُ: كِلَّة تنصب فوق السرير لتقي الحر والشمس، ولا يسمى السرير أريكة إلا إذا كان معه حَجَلَة.

وقيل: كل ما يتوسد ويفترش مما له حشو يسمى أريكة، وإن لم تكن له حَجَلَة.

وقيل أن الأريكة السرير بالحبشية فهي من المعرب في القرآن.

{ {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا}} حر أشعتها، فنفي رؤية الشمس كناية عن نفي وجود الشمس الذي يلزمه انتفاء حر شعاعها.

{{وَلَا زَمْهَرِيرًا}} شديد البرد.. أي: لا حراً ولا برداً، من باب ذكر الملزوم وإرادة اللازم.

والمعنى: أن هواء الجنة معتدل لا ألم فيه بحال. وفي كلام الرابعة من نساء حديث أم زرع: (زَوْجِي كَلَيْلِ تِهَامَةَ لَا حَرَّ وَلَا قَرَّ وَلَا مَخَافَةَ وَلَا سَآمَةَ).

(كَلَيْلِ تِهَامَة): أي مكة وما والاها، وليلها مما يضرب به المثل في الحسن فليل تهامة طلق لا يؤذي بحر ولا برد، فشبهته به في خلوه من الأذى والمكروه.. (لا حَرٌّ): مفرط، (ولا قَرٌّ): برد، [لأن الحر والبرد كلاهما فيه أذى إذا اشتد] (ولا سآمة): ملل: أي لا يسأمني، فيمل صحبتي.. وصفته بطيب العشرة وحسنها واعتدال حاله وسلامة باطنه، وعدم شره، فلا تخاف أذاه ولا تسأم منه.

{{وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا} } دنو الظلال: قربها منهم، وإذ لم يعهد وصف الظل بالقرب يظهر أن دنو الظلال كناية عن تدلي الأدواح [الشجرة العظيمة المتشعبة ذات الفروع الممتدة] التي من شأنها أن تظلل الجنات في معتاد الدنيا ولكن الجنة لا شمس فيها فيستظل من حرها، فتعين أن تركيب {دَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا} مثل يطلق على تدلي أفنان الجنة لأن الظل المظلل للشخص لا يتفاوت بدنو ولا بعد.

والمعنى: أن أدواح الجنة قريبة من مجالسهم وذلك مما يزيدها بهجة وحسنا، وهو في معنى قوله تعالى: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} [الحاقة:23]. ولذلك عطف عليه جملة {وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً}

{{وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا}} جمع قِطْف، وهو العنقود من التمر أو العنب، سمي قطفا، لأنه يقصد قطفه، فإطلاق القطف عليه مجاز باعتبار المآل شاع في الكلام.

{{تَذْلِيلًا}} مصدر مؤكد لذلك، أي تذليلا شديدا منتهيا.

أي: سهّلت ثمارها لمتناوليها. فلا يردّ أيديهم عنها بُعْدٌ ولا شوك. متى تعاطاه دنا القطْفُ إليه وتدلى من أعلى غصنه، كأنه سامع طائع، كما قال تعالى: {وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ} [الرحمن:54] وقال تعالى: {قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ} [الحاقة:23]

قال مجاهد: إن قام ارتفعت بقَدْره، وإن قعد تَدَلَّتْ له حتى ينالها، وإن اضطجع تَدَلَّت له حتى ينالها، فذلك قوله: {تَذْلِيلا}.

{{وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ}} أواني الطعام {مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ} جمع كوب، وهي الكيزان التي لا عرى لها ولا خراطيم.

{{كَانَتْ قَوَارِيرَا}} والقوارير جمع قارورة والعرب تطلق القارورة على إناء الزجاج خاصة، ولكن الآية صريحة في أنها قوارير من فضة مما يدل على صحة إطلاق القارورة على غير آنية الزجاج كالفضة مثلا.

{قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ} قال صاحب اللسان: والقارورة: ما قر فيه الشراب وغيره، وقيل لا يكون إلا من الزجاج خاصة. وقوله تعالى {قَوَارِيرَا قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ}، قال بعض أهل العلم معناه أواني زجاج في بياض الفضة وصفاء القوارير قال ابن سيده وهذا أحسن ا هـ.

قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن البصري، وغير واحد: بياض الفضة في صفاء الزجاج، والقوارير لا تكون إلا من زجاج. فهذه الأكواب هي من فضة، وهي مع هذا شفافة يرى ما في باطنها من ظاهرها، وهذا مما لا نظير له في الدنيا.

قال ابن المبارك، عن إسماعيل، عن رجل، عن ابن عباس: "ليس في الجنة شيء إلا قد أعطيتم في الدنيا شبهه إلا قوارير من فضة". رواه ابن أبي حاتم.

** ولفظ {قوارير} الثاني، يجوز أن يكون تأكيدا لفظيا لنظيره لزيادة تحقيق أن لها رقة الزجاج فيكون الوقف على {قوارير} الأول.

ويجوز أن يكون تكريرا لإفادة التصنيف فإن حسن التنسيق في آنية الشراب من مكملات رونق مجلسه، فيكون التكرير مثل ما في قوله تعالى: {وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً} [الفجر: 22] وقول الناس: "قرأت الكتاب بابا بابا" فيكون الوقف على {قوارير} الثاني.

** ووصفت هنا بأنها من فضة، أي تأتيهم آنيتهم من فضة في بعض الأوقات ومن ذهب في أوقات أخرى كما دل عليه قوله {يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ} [الزخرف:71] لأن للذهب حسنا وللفضة حسنا فجعلت آنيتهم من المعدنين النفيسين لئلا يفوتهم ما في كل من الحسن والجمال، أو يطاف عليهم بآنية من فضة وآنية من ذهب متنوعة متزاوجة لأن ذلك أبهج منظرا مثل ما قاله مرة {وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ} [الإنسان:21]، ومرة: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ} [الكهف:31] وذلك لإدخال المسرة على أنفسهم بحسن المناظر فإنهم كانوا يتمنونها في الدنيا لعزة وجودها أو وجود الكثير منها، وأوثر ذكر آنية الفضة هنا لمناسبة تشبيهها بالقوارير في البياض.

{قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} مفعول مطلق مؤكد لعامله للدلالة على وفاء التقدير وعدم تجاوزه المطلوب ولا تقصيره عنه.

أي: قدرها لهم السقاة على قدر ريّهم لا يزيد ولا ينقص. وهو ألذّ للشارب، لكونه على مقدار حاجته، لا يفضل عنها ولا يعجز، وهذا أبلغ في الاعتناء والشرف والكرامة. وكان مما يعد في العادة من حذق الساقي أن يعطي كل أحد من الشرب ما يناسب رغبته.

وفي تفسير هاتين الآيتين الكريمتين، نورد ما قاله علماء التفسير:

«آنية»: جمع مفرده إناء، ككساء وأكسية، وهو وعاء الماء قدح لا عروة له. وقوله: {من فضة} أي مصنوعة من فضة.

وراح العلماء في تأويلهم مذاهب شتى كلها تستهدف تقريب الصورة إلى الأذهان، فمن قائل: «إنها مع صفاء قواريرها تكون آمنة من الكسر» ومن قائل: «إن الكلام على التشبيه البليغ، وأن المراد أنها تكون جامعة بين صفاء القارورة وشفيفها ولين الفضة وبياضها». ويقول البغوي: هي في صفاء الزجاج يرى ما في داخلها من خارجها.

ويسوق بعضهم تفسيرا لابن عباس -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما- مفاده أن أرض الجنة من فضة وأواني كل أرض تتخذ من تربة الأرض فالآنية إذا مخلوقة من فضة حقيقة وليس تشبيها، وهذا ما يفيده سياق النص الكريم، وكذلك القوارير مصنوعة من الفضة أيضا.

{{قدروها تقديرا}} قال بعضهم: قدروها في أنفسهم، وأرادوا أن تكون على مقادير وأشكال معينة موافقة لشهواتهم، فجاءت حسبما قدروها تقديرا.

أو قدروها بأعمالهم الحسنة فجاءت على حسبها. وهكذا يكون الضمير في «قدروها» عائدا على أهل الجنة.

وقال آخرون: بل الضمير عائد على السقاة الذين يطوفون على أهل الجنة، فقدروا شرابها على قدر استوائهم وريهم من غير زيادة ولا نقصان، وهو ألذ للشارب لكونه على مقدار حاجته، فإن طرفي الاعتدال مذمومان، كما قال مجاهد: «لا غيض فيها ولا فيض» أي لا كثر ولا قلة.

وفي العربية -لغة القرآن التي نزل- نحن نعلم أن «القدر» له معان عدة:

قدر الرزق: قسمه، والتقدير بمعنى التعظيم وتدبير الأمر وقياس الشيء بالشيء. والقدر الوسط من الرحال والسروج. وقدرت الثوب فانقدر جاء على المقدار، وكانوا يقولون «غرس علي القدَرَة» حين يغرس أحدهم على حد معلوم بين كل نخلتين، وقدره تقديرا: جعله قدريا أي على قياس وتدبير وتقدير معلوم ثابت، لا زيادة فيه ولا نقصان.

والخلاصة أن الطائفين من أهل الجنة يسقونهم بآنية من فضة فيها ماء يرويهم، وهذا الماء مقدر على قدر حاجتهم تماما. لا يغيض ولا يفيض. فالسقاة قدروا ريهم وكفايتهم، فقدروها لهم ثم سقوهم منها، أو أن أهل الجنة بحسب منازلهم وأعمالهم الحسنة يسقون منها من غير زيادة ولا نقصان.

والإعجاز العلمي في هذه الآية الكريمة يتجلى في نقطتين اثنتين:

الأولى: كون الآنية من فضة.

الثانية: وصف هذه الآنية بقوله تعالى: {قدروها تقديرا} بلا زيادة ولا نقصان .. فهي ذات حجم ومقدار ثابت تماما، وحتى تتضح الصورة الإعجازية العلمية في هذه الآية الكريمة، سأحدثكم عن العلاقة بين جزئيات المادة من وجهة نظر الفيزياء.

من المعلوم أن هناك قوى تجاذب بين جزيئات المواد الفيزيائية، فقوى التجاذب بين جزيئات المادة نفسها «المادة الواحدة» نسميها «قوى التماسك» بينما نسمي قوى التجاذب بين جزيئات مادة ومادة أخرى مختلفة عنها «قوى الالتصاق» كالذي يظهر بين جزيئات السائل وبين جزيئات الإناء الحاوي له، وإننا نلاحظ بالعين المجردة أن السائل ليس له شكل ثابت بسبب ضعف قوى التماسك بين جزيئاته. فهو يأخذ شكل الإناء الذي يوضع فيه، وينتج من وضع السائل في الإناء بعض الظواهر الفيزيائية المرئية بالعين المجردة حسبنا تكون قوى الالتصاق أكبر أو أصغر من قوى التماسك أو مساوية لها.

فلو وضعنا ماء في وعاء زجاجي نلاحظ أن سطح الماء يكون مقعرا، أما لو وضعنا في الوعاء سائلا آخر كالزئبق مثلا نلاحظ أن سطحه سيكون محدبا، فالسائل في وعاء الزجاج «القوارير» يكون ذا سطح مقعر أو محدب لسبب بسيط هو أن قوى الالتصاق بين جزيئات الماء وجزيئات الزجاج أكبر من قوى التماسك بين جزيئات الماء نفسها فيتقعر سطح الماء، في حين تكون قوى الالتصاق بين جزيئات الزئبق وجزيئات الزجاج أصغر من قوى التماسك بين جزيئات الزئبق نفسها فيتحدب السطح.

ويمكن توضيح ذلك بيانيا برسم مستقيم مماس لسطح السائل عند تلامسه مع جدار الإناء الحاوي له، فإن هذا المماس سيحصر في بطن السائل زاوية واقعة بينه وبين جدار الإناء وسنسمي هذه الزاوية «زاوية التلامس» ونرمز لها بالرمز «هـ»، والملاحظ أن الزاوية «هـ» تأخذ حالة من إحدى ثلاث حالات:

1- «هـ» < 90 درجة ومثال هذه الحالة إناء زجاجي مملوء بالماء، والتفسير الفيزيائي لذلك أن قوى الالتصاق أكبر من قوى التماسك.

2- «هـ» > 90 درجة، ومثال هذه الحالة إناء زجاجي مملوء بالزئبق، والتفسير الفيزيائي لذلك أن قوى الالتصاق أقل من قوى التماسك. ولا ننسى هنا أن الزئبق معدن سائل.

وهنا يبرز سؤال علمي: وماذا لو تساوت قوى الالتصاق مع قوى التماسك؟

الجواب: بالطبع هذا وارد، وهو موطن الإعجاز في الآية الكريمة موضوع البحث {قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا}.

فقد لاحظ علماء الفيزياء أنه لو وضعنا ماء في كوب مصنوع من الفضة فإن الماء سيكون مستوي السطح تماما «ليس معقرا ولا محدبا» وبالتالي سنكون أمام الحالة الثالثة وهي:

3- «هـ» = 90 درجة «زاوية قائمة» بسبب تساوي قوى الالتصاق مع قوى التماسك.

وتبرز روعة الإعجاز فيما لو حاول أحدنا تقدير حجم السائل في وعاء ما، فمتى سيكون التقدير دقيقا تماما؟

إذا كان سطح السائل مقعرا؟ أم إذا كان سطح السائل محدبا؟ مع ملاحظة أن التقعر والتحدب أمران متفاوتان حسب نوع السائل، ونوع المادة التي صنع منها الإناء.

الواقع أن التقدير لن يكون دقيقا في أي حال من الحالين السابقين، وإنما يكون ثابتا ومحكما إذا كان السطح مستويا تماما، أي إذا كانت زاوية التماس بين سطح هذا السائل وجدار وعائه قائمة (90 درجة).

وهذا لا يكون إلا في حال كان السائل ماء نقيا صالحا للشرب وكان وعاؤه من فضة. وهذا ما ذكره القرآن الكريم: {قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا} وكما قال الخازن –يرحمه الله-: قدروا الكؤوس على قدر ريهم وكفايتهم لا تزيد ولا تنقص.

هل عرف سيدنا محمد -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أو من عاصره هذه الحسابات الفيزيائية أم أنه تنزيل رب العالمين؟

[مقال: {قوارير من فضة} وإعجاز فيزيائي جديد، مجلة الوعي الإسلامي الكويتية، العدد 472، ذو الحجة 1425هـ، يناير 2005م، بقلم د. محمد فتحي راشد الحريري]

ثم أتبع وصف الآنية ومحاسنها بوصف الشراب الذي يحويه وطيبه، فقال:

{{وَيُسْقَوْنَ فِيهَا}} الجنة {{كَأْسًا}} خمرا، ولا تسمى آنية الخمر كأسا إلا إذا كان فيها خمر.

{{كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا}} وكانت العرب يستلذون الشراب الممزوج به.

وهذه سقية أخرى، أي مرة يشربون من كأس مزاجها الكافور، ومرة يسقون كأسا مزاجها الزنجبيل.

{{عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا}} وصف قيل مشتق من السلاسة وهي السهولة واللين، فهي شديدة الجري المنسابة بنوع خاص بهيج.

{{وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ}} جمع وليد، ويطلق الوليد على الصبي مجازا مشهورا، لقصد تقريب عهده بالولادة، وأحسن ما يتخذ للخدمة الولدان لأنهم أخف حركة وأسرع مشيا ولأن المخدوم لا يتحرج إذا أمرهم أو نهاهم.

{ {مُخَلَّدُونَ}} دائم شبابهم لا يتغيرون عن تلك السن.. وهذا للاحتراس مما يوهمه اشتقاق {ولدان} من أنهم يشبون ويكتهلون، أي لا تتغير صفاتهم فهم ولدان دوما، وإلا فإن خلود الذوات في الجنة معلوم، فما كان ذكره إلا لأنه تخليد خاص.

{{إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا}} إذا رأيتهم في انتشارهم في قضاء حوائج السادة، وكثرتهم، وصباحة وجوههم، وحسن ألوانهم وثيابهم وحليهم، حسبتهم لؤلؤا منثورا. ولا يكون في التشبيه أحسن من هذا، ولا في المنظر أحسن من اللؤلؤ المنثور على المكان الحسن.

قال قتادة، عن أبي أيوب، عن عبد الله بن عمرو: ما من أهل الجنة من أحد إلا يسعى عليه ألف خادم، كل خادم على عمل ما عليه صاحبه.

{{وَإِذَا}} أفادت معنى الشرطية فدل على أن رؤية النعيم لا تتخلف عن بصر المبصر هنالك فأفاد معنى: لا ترى إلا نعيما، أي بخلاف ما يرى في جهات الدنيا. {{رَأَيْتَ}} خطاب لغير معين، أي إذا رآه الرائي { {ثَمَّ}} هناك، يعني في الجنة ونعيمها وسَعَتها وارتفاعها وما فيها من الحَبْرَة والسرور {{رَأَيْتَ}} نظرت في الجنة، ورميت بطرفك ما أوتي الأبرار {{نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا}} واسعاً لا ينفذه البصر. والكبير مستعار للتعظيم وهو زائد على النعيم بما فيه من رفعة وتذليل للمصاعب.

{{عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ}} ما رقّ من الحرير، والظاهر أنه لا يكون إلا أخضر اللون {{خُضْرٌ}} واللون الأخضر أمتع للعين وكان من شعار الملوك.

{{وَإِسْتَبْرَقٌ}} هو ما غلظ من الديباج وهو نسج من نسج الفرس واسمه فارسي.

أي: لباس أهل الجنة فيها الحرير، ومنه سندس، وهو رفيع الحرير كالقمصان ونحوها مما يلي أبدانهم، والإستبرق منه ما فيه بريق ولمعان، وهو مما يلي الظاهر، كما هو المعهود في اللباس.

{{وَحُلُّوا أَسَاوِرَ}} جمع سور وهو حلي شكله أسطواني فارغ الوسط يلبسه النساء في معاصمهن ولا يلبسه من الرجال إلا الملوك، والمعنى: أن حال رجال أهل الجنة حال الملوك.

وقد ود في الحديث أن عمر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قال: أَيْنَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ فَأُتِىَ بِهِ أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ دَقِيقَهُمَا فَأَعْطَاهُ سِوَارَىْ كِسْرَى فَقَالَ: الْبَسْهُمَا فَفَعَلَ فَقَالَ: قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِى مُدْلِجٍ.[السنن الكبرى للبيهقي]

{{مِنْ فِضَّةٍ}} وهذه صفة الأبرار، وأما المقربون فكما قال: {يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ} [الحج:23]

{{وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا}} خمرا {{طَهُورًا}} هذا احتراس مما يوهمه شربهم من الكأس الممزوجة بالكافور والزنجبيل من أن يكون فيها ما في أمثالها المعروفة في الدنيا ومن الْغَوْلِ [ما يغتال العقول] وسوء القول والهذيان، فعبر عن ذلك بكون شرابهم طهورا بصيغة المبالغة في الطهارة وهي النزاهة من الخبائث، أي منزها عما في غيره من الخباثة والفساد.

وأسند سقيه إلى ربهم إظهارا لكرامتهم، أي أمر هو بسقيهم كما يقال: أطعمهم رب الدار وسقاهم.

وقيل: ليس برجس كخمر الدنيا. أو لأنه لم يعصر فتمسه الأيدي الوضرة، وتدوسه الأقدام الدنسة، ولم يجعل في الدنان التي لم يُعْنَ بتنظيفها. والآية مما يستروح بها في نجاسة الخمر، لما فيها من التعريض بها.

{{إِنَّ هَذَا}} ما أعدّ من ألوان النعيم الموصوف فيما مضى من الآيات.

{{كَانَ}} للدلالة على تحقيق كونه جزاء لا منا عليهم بما لم يستحقوا، فإن من تمام الإكرام عند الكرام أن يتبعوا كرامتهم بقول ينشط له المكرم ويزيل عنه ما يعرض من خجل ونحوه، أي هو جزاء حقا لا مبالغة في ذلك.

{{لَكُمْ جَزَاءً}} على ما قدمتم من الصالحات.

أي: يقال لهم ذلك تكريما لهم وإحسانا إليهم، كقوله: {{كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ}} [الحاقة:24] وكقوله: {{وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}} [الأعراف:43]

{{وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا}} مجازىً عليه غير مضيَّع، بل جزاكم الله على القليل بالكثير.

** فعلاوة على إيناسهم بأن ما أغدق عليهم كان جزاء لهم على ما فعلوا بأن سعيهم الذي كان النعيم جزاء عليه، هو سعي مشكور، أي مشكور ساعيه، فأسند المشكور إلى السعي.

 

جمع وترتيب

د/ خالد سعد النجار

[email protected]

 

خالد سعد النجار

كاتب وباحث مصري متميز

  • 0
  • 0
  • 30

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً