هل أنا عاق؟

منذ 2014-01-11
السؤال:

مشكلتي هي أنني أصغر أبناءِ والِدَيَّ، والوحيدُ الذي بقي دون زواج. سوف أتزوج، وكل إخوانِي مشغولون بدنياهم، ولا يرون أبويَّ إلا آخر الأسبوع. مشلكتي هي أنَّني سأتزوج، ولا أريد أن أسكن مع والديّ، بسبب أن أبي متسلّط، وأخشى أن يُؤْذِيَ زوجتي بكثرة طلباته وسلاطة لسانه أحيانًا، وقد يحرض زوجتي عليَّ كما فعل مع بعض إخواني.

فهل يجوز لي أن أسكن في نفس المدينة، ولكن بعيدًا عن والديَّ، علمًا أنهما بِصِحَّة جيدة، وليسوا في حال تجعلهم يحتاجون عنايةً صحيَّة - ولله الحمد -؟ وفي حال أشرتم علي بأن أسكن مع والديَّ، فهل لي أن أكون قاسيًا مع أبي، بأن أطلب منه ألا يتحدث مع زوجتي، ولا يطلب منها شيئًا، وطبعًا مثل هذا الأمر يتطلب أن أخاطِبَ أبي بجلافة تضاهي جلافته. إذ إنه لا يفهم إلا هذه اللغة؟

أرجو الإفادة لأني في حيرة كبيرة.

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومن والاه، أمَّا بعدُ:
فإن الله تعالى قد عدَل بين عباده؛ فأوجب على الأبناء حقوقًا تجاه آبائهم وأوجب كذلك للأبناء حقوقًا على الآباء، فعلى الأبناء الإحسانَ إلى الآباء، وطاعتَهُما وبِرَّهما، والإنفاقَ عليْهِما عند القدرة إذا كانوا فقراء وغير ذلك، وعلى الآباء الإحسان إلي الأبناء في المعاملة وتسميتهم بالأسماء الحسنة، وتعليمهم، والعدل بينهم في العطية، والعطف عليهم.

وتقصيرُ الآباء في حقوق الأبناء، أو قسوتُهم عليهم لا يُبرّر عقوقَ الأبناء أو تطاوُلَهم؛ فإذا كان كُفْرُ الوالدين بالله العظيم لا يُسقط حقَّهم في البِرّ والإحسان فبالأحرى ألاّ يُسقطه تضييعُهما لحقّ الولد، أو الشدَّة في المعاملة، وإنَّما على الأبناء الاجتهادُ في طاعتهما وكسب رضاهما، فالشيطانُ يعظِّمُ دائمًا بعضَ الأُمور اليسيرة، ليغرسَ في القلب الكراهيةَ للوالديْنِ ليَحْرِمَ الأبناء من الأجر العظيم للبر.

فوجوب بِرّ الوالدين من المعلوم من الدين بالضرورة، كما يجب مصاحبتُهما بالمعروف ولو كانا كافرين، قال الله تعالى: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}[البقرة: 83] وقال تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانا} [النساء: 36]، وقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً} [الإسراء: 23-24]‏، وقال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ المَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[لقمان: 14-15].

أما قيام الوالد بأفعالٍ لا ترضاها فهذا لا يُبَرّر مُطلقًا مخاطبَتَه بجلافة –كما تقول- بل الواجب نصحُه بالحكمة بهدوء ولطف، وبطريقة تشتمل على الحبّ والمودة والتراحُم، مع تذكيره -بغير تشنُّج ولا تعصُّب- أنه يجب عليه أن يَتعامَل مع زوجتِك بطريقة حسنة، ويمكنُكَ الاستعانةُ في هذا ببعض أهل الخير والصلاح، أو ببعض معارف الوالد.

أمَّا سكنك في بيت منفصل الوالدين، فجائزٌ لما ذكرت من الأسباب، وكذلك إنْ كانت الزوجة تتضرر بالسكن معهما، بشرط أن تحرص على صلتهما، ومجالستهما، وإكرامهما، والإحسان إليهما دائمًا، وغير ذلك من أوجه البر، ولا تجعل استقلالك بالسكن دافعًا لعقوق الوالدين وقطعهما، بل يجب عليك أن تزورَهما باستمرار.

واحذر - أخي الكريم - أن تعامل والدِكَ بجلافة! فيسخط اللهُ عليكَ؛ فإن رضى الرَّبّ في رضى الوالدين، وسَخَط الربّ في سَخَط الوالدين؛ كما في الحديث الذي رواه التّرمذِي والحاكمُ وصحَّحه ووافقه الذهبيُّ والألبانيُّ،، والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 22,391

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً