أدرس في الجامعة مع شاب متدين

منذ 2014-04-02
السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.

أنا فتاةٌ في منتصف العشرينيات، غير مُتزوجة، ملتزمة ومحجَّبة -والحمدُ لله-, أُكْمِل دراستي في الجامعة، تعرَّفْتُ إلى شابٍّ مِن نفس التخصُّص كان يدرُس معي سلَفًا، وقررتُ أن أدرسَ معه في قاعات المطالَعة بالجامعة، بالضوابط الشرعية.

المشكلةُ أنه لا يمكنني أن أخبرَ عائلتي أني أدرس مع شابٍّ؛ فهذا لن يتفهموه، ولا أريد أن أضعَ نفسي موضع شكٍّ؛ لهذا قلتُ لهم: إني أدرس مع طالبات!

لا أُريد إغضاب الله، مع العلم أن الشابَّ متدينٌ، ولم يكن يجمعنا شيءٌ غيرُ الدراسة سلَفًا، ولن يجمعنا!

فهل أُعتَبَرُ كاذبةً لأني أخفيتُ الحقيقة؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

 

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، وعلى آلِهِ وصحبِهِ وَمَن والاهُ، أمَّا بعدُ:

فقبل الجواب عن استشارتك -أيَّتُها الأختُ الكريمةُ- أُنَبِّهُكِ لشيءٍ هامٍّ وهو: أن النية الصالحة -التي هي حُسْن القصد- لا تكفي وحدها لتصحيح العمل حتى ينضمَّ إليها شرطٌ آخر، وهو: أن يكون العملُ نفسُه صحيحًا، موافقًا للشرع، صالحًا مستقيمًا؛ فهذه مقدمةٌ ضرورية.

وأقول لك: نعم قد تكونُ نيتُكِ ونيةُ ذلك الشابِّ حَسَنَةً، إلا أنَّ اختلاطَكِ به، وقُعُودَكِ معه للدراسة مِن الأمور المُحَرَّمة قطعًا، فإذا كان اللهُ -جل وعلا- قد حَرَّمَ مُجَرَّدَ النظرِ بين الرجالِ والنساءِ الأجنبيَّات، فكيف بمِثْل هذه الجلسات إذًا؟!

وأيضًا لا يَخْفَى عليكِ أن الله تعالى لمَّا حَرَّمَ الحَرَامَ والفَوَاحِشَ، حَرَّمَ جميعَ السُّبُلِ المؤديةِ إليها، وَأَخَذَ الطريقَ على المكلفين؛ عصمةً لهم؛ فهو - سبحانه وتعالى - يعلمُ النفسَ البشريةَ، وما يُصْلِحُها، وما يُفْسِدُها، ومن أعظم ما يُؤَدِّي للحرام الصِّرْفِ الاختلاطُ المحرَّمُ بين الرجال والنساء؛ لا سيما في اختلاط الشباب من الرجال بالنساء الشابات، هذا مع انتشار الفِتَن، والوقوع في العلاقات المحرَّمة التي تشاهدينها بعينك، والتي كانت قد بَدَأَتْ بمجرد جَلَسَاتٍ، أو نَظَرَاتٍ، ثم تَطَوَّرَتْ؛ ولذلك قال تعالى: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ} [النور: 30،31].

وَسُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ نَظْرَةِ الْفَجْأَةِ -النَّظْرَةِ مِنْ َغْيِر قَصْدٍ- فَقَالَ: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»؛ (رواه مسلم في صحيحه)، بل ثبَت عنه -صلواتُ الله وسلامه عليه- أنه قال: «لَا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ - أي: لا تنظرْ نظرةً بعدَ نظرةٍ - فَإِنَّ الْأُولَى لَكَ - أي: لا إثمَ عليكَ فيها، والثانيةَ عليكَ - أي: إثمُها وضرَرُها عليكَ»؛ (رواه أبو يعلى في مُسنده)، وقال تعالى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ} [الأحزاب: 53]؛ أي: إذا احتاج الرجالُ متاعًا من النساء، فليسألوهن مِن وراء حجاب ذلكم؛ إذ إن هذا هو الأطهر للقلوب؛ أي: الأنقى، وهذه الآية صريحةٌ في هذا المعنى، وهي تُخاطب أمهات المؤمنين -رضي الله عنهن-، فكيف بمَن سواهن من نساء الأمة؟!

يزيد هذا وضوحًا قولُهُ تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [النور: 21].

قال الأستاذ سيد قطب في "ظلال القرآن": "وإنها لصورةٌ مستَنكَرةٌ أن يخطوَ الشيطانُ، فيتبعَ المؤمنون خُطاه، وهم أجدرُ الناسِ أن ينفروا من الشيطان، وأن يسلكوا طريقًا غير طريقه المشؤوم! صورةٌ مُستنكرةٌ يَنفِر منها طبعُ المؤمن، ويرتَجِفُ لها وجدانُهُ، ويقشعِرُّ لها خيالُهُ! وَرَسْمُ هذه الصورةِ ومواجَهَةُ المؤمنين بها يُثِيرُ في نفوسهم اليقظَةَ، والحَذَرَ، والحَسَاسية؛ {وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور: 21].

وإن الإنسان لضعيفٌ، مُعَرَّضٌ للنزعات، عُرضةٌ للتلوث، إلا أن يُدْرِكَه فضلُ الله ورحمتُه، حين يتجه إلى الله، ويسيرُ على نهجِهِ.

{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ} [النور: 21]؛ فنورُ الله الذي يشرق في القلب يُطهِّرُهُ ويزكيه، وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ ورحمتُهُ لم يَزْكُ مِنْ أَحَدٍ، ولم يتطهر، والله يَسْمَعُ ويَعْلَمُ، فيزكِّي من يستحق التزكيةَ، ويُطَهِّرُ من يَعْلَمُ فيه الخيرَ، والاستعداد {وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}". اهـ. مختصرًا.

فاقطعي أيتها الكريمة تلك العَلَاقَةَ، واعمَلِي بتقوى الله تعالى، وابتَعِدِي بالكامِلِ عن مثلِ هذه المُجَالَسَةِ، ولو كانتْ خاليةً من أيِّ محادثاتٍ جانبيةٍ؛ لأنَّ الفتنة تَقَعُ بمجرد المجالسة، فكيف إذا أضيف إلى ذلك النظرُ ورغبةُ الإنسان التي جُبِلَ عليها من الميل للطَّرَفِ الآخر؟!

فعليكِ بالتزامِ تقوى الله تعالى؛ فإنَّ تقوى الله هي مفتاحُ الفَرَجِ، وسبيلُ الرزقِ، ومَعْقِدُ النجاح والفلاح؛ كما قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ} [الطلاق: 2، 3]

وكونُ هذا الشابِّ ظاهرُهُ التديُّنُ، وأنتِ محجبةً وملتزمةً لا يجعلُكما معصومَيْنِ من الفِتَنِ، بل على العكس، قد يكونُ سببًا لسرعةِ وقوعكما في الفتنة، والمتديِّنُ الحقُّ مَن يَبتَعِدُ عن تلك المحرمات، ولا يتجرأ عليها، واسألي نفسَكِ عن سِرِّ كَذِبِكِ على أُسرَتِكِ، وقَوْلِكِ: إنكِ تَدْرُسِينَ مع فتياتٍ، وهل هذا له علاقة بالحديث الذي رواه مسلمٌ عَنِ النَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنِ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ، فَقَالَ: «الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي صَدْرِكَ، وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ»، وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ وَابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنَا أُرِيدُ أَلاَّ أَدَعَ شَيْئًا مِنَ الْبِرِّ وَالْإِثْمِ إِلَّا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، فَقَالَ: «يَا وَابِصَةُ، اسْتَفْتِ نَفْسَكَ؛ الْبِرُّ مَا اطْمَأَنَّ إِلَيْهِ الْقَلْبُ، وَاطْمَأَنَّتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي الْقَلْبِ، وَتَرَدَّدَ فِي الصَّدْرِ، وَإِنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ وَأَفْتَوْكَ».

وقال ابن عمر: "لا يبلغُ العبدُ حقيقةَ التقوى حتى يَدَعَ ما حَاكَ في الصَّدْرِ".

واحذري أن تُشَوَّهَ سُمعَتُكِ وسُمْعَةُ أهلِكِ بتلك الجَلَسَاتِ؛ فأنتِ مؤتَمَنَةٌ على نفسِكِ، وعلى الأمانة التي حَمَّلَهَا إياك رَبُّكِ، وبعدَهُ أهلُكِ وَوَالِدَاكِ. وأوصيكِ بالاستغفارِ، والتوبةِ إلى الله تعالى من هذا العَمَلِ.

هذا ونسألُ اللهَ لك التوفيقَ والسَّدَادَ، والفلاحَ والنجاحَ في الدنيا والآخرة؛ {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 88، 89].

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 0
  • 0
  • 6,121

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً