تعارض المحاضرات مع صلاة النوافل

منذ 2014-04-06
السؤال:

أنا طالبةٌ في المرحلة الجامعيَّةِ لديَّ سؤالٌ يُحَيِّرني, وهو:

أيهما أَوْلَى: أن يُقَدِّم المرءُ صلاة النوافل "السنن الرواتب"؟ أو أن يحضرَ المحاضرات في الجامعة؟ علمًا بأنني في أغلب أيام الأسبوع أُصَلِّي صلاة الظهر في الجامعة، ولا أجد مُتَّسعًا مِن الوقت لكي أُصَلِّي السنن القبلية والبعدية لصلاة الظهر؛ لوجود محاضرة بعد الصلاة مباشرة، ولا يمكن التأخر عنها؛ حتى لا أُوَبَّخ مِن قِبَل الدكتور.

فهل أُقَدِّم صلاة النافلة -التي أرجو منها زيادة رضا ربي عني- ولا أهتم بمَن يعارضني؟ أو أن هذا يُعَدُّ تشددًا في الدين؟

علمًا بأنَّ المحاضرةَ ليستْ ذات فائدةٍ أُخْرَوِيَّة, ومِن وجهة نظري ليستْ ذات فائدة دنيوية! والمصيبةُ الكبرى أن المعلم يضيع وقت المحاضرة إما في المزاح والاستهزاء، أو كثرة ترديد الكلام غير المنطقي، المهم أنَّ الوقت يضيع فيما لا يُفيد.

أحيانًا يتأخَّر عن محاضرته، ومِن ثم يتأخَّر عند انتهائها، وإن استأذنتُ منه لأداء الصلاة قال: وقت المحاضرة لم ينته بعدُ، مع أنه لم يلتزم بالحضور في الموعد المحدد؛ فلا أجد متسعًا من الوقت؛ لكي أصلي صلاة الظهر مع نوافلها، فما رأيكم في هذا الأمر؟ وماذا أفعل؟

 

الإجابة:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعدُ:

فشكر الله لك -أيتها الابنةُ المبارَكة- ذلك الحرصَ على أداء صلاة النوافل؛ طمَعًا في نيل رضا الله وحبه سبحانه تعالى، فقد قال -سبحانه وتعالى- في الحديث القدسي: «مَن عادى لي وليًّا فقد آذنتُه بالحرب، وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحب إليَّ مما افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه الذي يسمع به، وبصره الذي يُبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألَني لأُعطينه، ولئن استعاذني لأُعيذنه، وما ترددتُ عن شيءٍ أنا فاعله تردُّدي عن نفس المؤمن، يكره الموت، وأنا أكره مساءته» (صحيح البخاري)، أسأل الله أن يجعلنا مِن خُلَّص أوليائه، آمين.

ولما كان الحرصُ على صلاة النوافِل مِن البرِّ الذي يزيد الإيمانَ فعلًا، فاجتهدي قدْر استطاعتك في المحافَظة عليها، ولكن لا تنسي -أيتها الابنة- {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} [الطلاق: 3]، فلا تجعلي التفكير في هذا الأمر يطغى على دراستك، وطلب العلم؛ حتى لا تُضيعي كل شيءٍ، ففرْضُ الوقت يفرض عليك أن تُقدمي الاهتمام بالدراسة على صلاة السنن والنوافل، وإن كان الأفضل والأكمل تحصيل الاثنين، لكن عند التعارُض قدِّمي فرْضَ الوقت، مع المُواظَبة على الفرائض قطعًا.

كما يمكنك -أيتها الابنة الكريمة- قضاء تلك السُّنَن الرواتب بعد الانتهاء مِن المحاضرات والدراسة؛ فقضاءُ النوافل الراتبة مشروعٌ؛ وهو قولُ الشافعية، وأحمد في رواية، وقد ثبت أنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- قضاهما مع الفريضة لما نام عن الفجر في السفر، وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن لم يُصَلّ ركعتي الفجر، فلْيُصَلِّهما بعدما تطلع الشمس»؛ (رواه الترمذي).

وعن عائشة أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: "كان إذا لم يُصَلِّ أربعًا قبل الظهر، صلاهنَّ بعدها"؛ (رواه الترمذي، وقال: "هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ")، وعن عائشة، قالتْ: "كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا فاتته الأربع قبل الظهر، صلاها بعد الركعتين بعد الظهر"؛ (رواه ابن ماجه)، وعن أبي سلمة بن عبدالرحمن أنه سأل عائشة عن السجدتين اللتين كان رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- يُصليهما بعد العصر، فقالتْ: "إنه كان يصليهما قبل العصر، ثم إنه شغل عنهما، أو نسيهما، فصلاهما بعد العصر، وكان إذا صلى صلاةً أثبتها"؛ (رواه مسلمٌ والنسائي).

وعن أم سلَمة قالت: "شغل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الركعتين قبل العصر، فصلاهما بعد العصر"؛ (رواه النسائي).

وعن ميمونة: "أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يجهز بعثًا، ولم يكن عنده ظهرٌ، فجاءه ظهرٌ مِن الصدقة، فجعل يقسمه بينهم، فحبسوه حتى أرهق العصر، وكان يصلي قبل العصر ركعتين، أو ما شاء الله، فصلى، ثم رجع، فصلى ما كان يصلي قبلها، وكان إذا صلى صلاةً أو فعل شيئًا، يحب أن يُداوِمَ عليه"؛ (رواه أحمد).

وعن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «مَن نام عن حزبه -أو عن شيءٍ منه- فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتِب له كأنما قرأه مِن الليل»؛ (رواه الجماعة إلا البخاري).

وثبت عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه كان إذا منعه من قيام الليل نومٌ أو وجعٌ، صلى من النهار اثنتي عشرة ركعةً، والأحاديثُ في هذا المعنى كثيرةٌ.

قال المرداوي الحنبلي -رحمه الله- في "الإنصاف" (2 / 187): "قوله: (ومَن فاته شيءٌ مِن هذه السُّنن، سُنَّ له قضاؤها): هذا المذهبُ، والمشهورُ عند الأصحاب، ونَصَرَهُ المجدُ في شرحه، واختاره الشيخُ تقي الدين -يعني: ابن تيميَّة-"؛ انتهى باختصار.

 

وفقك الله لكل خير، وثبتنا وإياك على الحق.



 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 1
  • 3,164

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً