طريق السعادة الزوجية وأسبابها

منذ 2018-02-18

شاب متزوج لا يشعر بالسعادة والمتعة في الحياة الزوجية، ولا يشتاق لزوجته، ولا يدري ما سبب ذلك؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شابٌّ عمري 24 عامًا، متزوِّج منذ شهر وأسبوع، والحمدُ لله ملتزم، كان حلمي الزواج للعفاف، وكنتُ أنظر إليه على أنه سيُغَيِّر حياتي كليًّا، حتى إنني كنتُ أظنُّ أنه سيَصرفني عن الدُّنيا ولذَّاتها، ولكن ظهرت بعد الزواج مشكلةٌ، ولا أدري لها تفسيرًا.

مشكلتي أني لَم أشعُرْ بالسعادة، ولم أشعُرْ بلذَّةِ الزواج مُطلَقًا ولا حتى الشَّهوة، مع أنِّي أُحاوِلُ جاهِدًا أن أجلبَ ذلك، لا أدري ما السبب، مع أنَّ زوجتي جميلة وتخدمني بكلِّ حبٍّ، ولا أعلم هل هذا بسبب عين أو حسَد؟!

هناك بعضُ المُشكلات التي حَدَثَتْ قبل وبعد الزواج، وسأسْرُدها لكم لعلَّها تساعدكم في تشخيص مشكلتي:

أولاً: حدثتْ بعضُ المشكلات الماديَّة قبل الزواج، والتي وضعتْني في ضائقةٍ شديدةٍ، مما جعلتْني أقترض وأستدين حتى أكملَ الزواج.

ثانيًا: بعد الزواج فوجئتُ بأنها تقول: إنها مغصوبة على الزواج، فأحدث هذا الكلام تأثيرًا شديدًا عليَّ، لكن الحمدُ لله هي الآن تحبني بشدة، ولا تستطيع فراقي.


وخلاصة الأمر: أنا أفتَقِد معها المُتعَةَ ولذَّة الزواج تمامًا، لدرجة أني لا أشتاق لها عندما أخرج من البيت، لكني لا أبَيِّن لها ذلك.

فأرجو أن تشيروا عليَّ بحل بارك الله فيكم.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاةُ والسلامُ على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه، أما بعدُ:

فهنيئًا لك أيها الابن الكريم على زواجك، وبارك الله لك، وبارك عليك، وجَمَع بينكما في خير، وشكر اللهُ لك سَعْيَك المبَكِّر عن الأسباب الجالبة للسعادة الزوجية، غير أنَّ تلك السعادة غالبًا ما تكون مفقودةً في الأيام والشهور الأولى مِن الزواج، فالأسبابُ الجالبةُ للمودَّة والرحمة تراكُميَّةٌ تنشأ بمُرور الأيام حتى تكتملَ وتصبحَ المحبة بينكما أكبر مِن أيِّ محبة، ولكن لا يكاد أحدٌ في زحْمة الحياةِ وسرعة حركتها أن يتأمَّلَ كيف أنَّ اللهَ تعالى خَلَق لنا من أنفسنا أزواجًا، وأودع في نفوسنا العواطف والمشاعر التي نحتاجها، وجعَل في الزواج سَكَنًا للنفس والعَصَب، وراحةً للجسم والقلب، واستقرارًا للحياة والمعاش، وأُنسًا للأرواح والضمائر، واطمئنانًا للرجل والمرأة على السواء؛ فقال سبحانه: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً} [الروم: 21]، وقال أيضًا: {هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ} [البقرة: 187]، وقال: {نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [البقرة: 223]، وقال: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

والتعبيرُ القرآنيُّ المعجِزُ يُلَخِّصُ الحكمةَ في جَعْلِ كلٍّ مِن الجنسين على نحوٍ يجعله موافقًا للآخر، مُلَبِّيًا لحاجته النفسية والعقلية والجسدية، إلى غير ذلك مِن الحاجيات والضَّروريَّات؛ بحيث يجد عند الآخر الراحةَ والطمأنينةَ والاستقرارَ والسَّكَنَ والاكتفاء، والمودةَ والرحمةَ، والاستمتاعَ واللَّذَّةَ والمنفعةَ والسكونَ، حتى يأتَلِفا ويمتزجَا لإنشاء حياةٍ جديدةٍ تَتَمَثَّل في نَشْءٍ جديدٍ لجيلٍ يَنْهَضُ بمُقتضيات الحياة.

فآيةُ الله في الزواجِ لا تقف عند حُدُود الجسد وإفضاءاته، بل تشمل العواطفَ والمشاعرَ، والوجدانات والتصوُّرات، والأسرار والهُمُوم، والتجاوب في كلِّ صورةٍ مِنْ صُوَرِ التجاوُب، إنها حياةٌ مشتركة بين الزوجين آناء الليل وأطراف النهار، في كلِّ نظرة ودٍّ ولمسة جسدٍ، وفي كل اشتراك في ألم وأمل، في كلِّ تفكُّرٍ في حاضرٍ ومستقبلٍ، فالأسرةُ مُؤَسَّسةٌ غاية في الأهمية تُبْذَلُ لإنشائها الطاقاتُ والقِيَمُ والتصوُّرات لإقامة مجتمع قويٍّ، هذا أولاً.

أمَّا ثانيًا: فأسبابُ السعادة الزوجية غير ما ذكرنا تَتَلَخَّص في الالتزام بأخلاقيَّات مُعَيَّنة.

سأذْكُر لك ما يحضرني، وإلَّا فالأمرُ يحتمل البَسْطَ أكثر مِن هذا:

• حِرْص كِلا الزوجين على فَهْم مُتَطَلَّبات الآخر وحقوقه، والقيام بها بسماحة نفس، وطيب خاطر، وفي نفس الوقت التنازُل عن بعض حُقُوقه مراعاةً للآخر، فإنَّ مِن أعظم أسباب هُرُوب الدِّفء الأُسري تشبُّثَ كلِّ طرفٍ بأخْذِ حُقوقه كاملةً، ويريد استيعابها غير منقوصةٍ، أكثر مما يعرف واجباته.

• الحِرْص على الاحترام المتبادَل، فهو بدايةُ الحبِّ الحقيقيِّ، والذي يُفقد إذا عُدم الاحتِرام.

• النَّظَر إلى إيجابيات الطرف الآخر، وذِكرها والثناء عليها، وتقدير جهوده وتضحياته، وتحقق هذا البند يَتَطَلَّب مساحاتٍ مِن الحِوار الهادئ مع شريك العمر للوُصُول لتحقيق السَّعادة الأُسريَّة.

• إشباع الجوانب النفسية والعاطفية والجسدية، وإشعار الآخر بالمَوَدَّة والرحمة، والتغاضي عن السلبيات التي لا يَسْلَمُ منها أحدٌ، والتركيز على إعلاء القِيَم الإيجابية وتزكيتها، وهذا البندُ يَتَطَلَّب قدْرًا كبيرًا مِن الواقعية، والبُعد عن الفِكر التجريديِّ والمُطلَق الذي لا يوجد إلَّا في الأذهان.

• إشباع الجوانب الاجتماعية، ويَتَأَتَّى ذلك بزيادة البِرِّ والمودَّة بين الأقارب، حتى يصبحَ والدُ الزوج أبًا للزوجة، والعكس بالعكس، فالاتِّزانُ النفسيُّ يكون أفضل في ظلِّ هذا الدَّمج، وفي نفس الوقت كنْ واقعيًّا ولا تغفلْ عن التواءات النفس البشرية وجَهْلِها، واعتزازها بما ألفتْ، واستكبارها، ويتغلب على كل هذا بالصبر والإحسان.

• مُلاطَفةُ الزوجة ومُداعبتها، وكثرة الحديث معها ومشاورتها في الأمور الخاصَّة والعامَّة، يمدُّ الحياة الزوجية بالسعادة بطاقاتٍ إضافيةٍ، ويشع الأُنس والتآلُف والتفاهُم والاستقرار النفسيَّ.

• الترفيه المباح، والخروج معها مِن حُسْن العِشرة التي أمَرَ الله تعالى بها؛ فقال: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 19]، وقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: «خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي»؛ رواه التِّرمذيُّ وصحَّحه، وقال أيضًا: «أكْمَلُ المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا، وخياركم خياركم لنسائهم خلقًا»؛ رواه التِّرمذي، وصحَّحه هو والألباني.

• غضُّ الطرف عنِ الهفَوات والزَّلَّات، والتغافُل قدْر المستطاع، إلا ما كان مِن حُقوقِ الله عز وجل، وهذا ما أرشد إليه الصادقُ المصدوقُ صلى الله عليه وسلم بقوله: «لا يفرك مؤمن مؤمنة؛ إنْ كَرِهَ منها خُلُقًا رَضِيَ منها آخر»، أو قال: «غيره»؛ رواه مسلم.

• احرصْ أيها الابن الكريم على اختيار أجمل الألفاظ والأفعال والأعمال الحسنة، والتجمُّل والمحافظة على المظْهَر؛ فنحن البشر مَجْبُولون على حبِّ ذلك والاستئناس به، فكلُّ ما تُحب أن تفعلَه لك زوجتك وتعاملك به فافْعلْهُ معها، فهذا مِن كمال حُسْنِ الخُلُق؛ كما قال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم: «فَمَنْ أَحَبَّ أن يُزَحْزَحَ عن النار، ويدخل الجنة، فلْتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه»، وقال أيضًا: «لا يؤمن أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه»؛ رواه البخاريُّ.

• أكْثِرْ مِن الدُّعاء أن يُصْلِحَك اللهُ، ويصلح زوجك، ويرزقكما السعادة والهناء؛ فتلك صفاتُ عباد الرحمن؛ {وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا} [الفرقان: 74].

أخيرًا تذكَّرْ دائمًا أيها الابن الكريم وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بمُلاطفة النِّساء والإحسان إليهنَّ، والصبْر على عِوَج أخلاقهنَّ، والحث على المجامَلة والمُلاينة، ولن يتأتَّى هذا إلا بالصبْر والرِّفق، وأنْ نعلم مَوَاضع الاعوجاج في فكرهنَّ.

ولتعلمْ سلمك الله أنَّ تَرْك هذه الوصية العظيمة يُفضي لهروب السعادة من البيت؛ قال صلى الله عليه وسلم: «استوصوا بالنِّساء، فإنَّ المرأة خُلقتْ مِن ضلَعٍ، وإنَّ أعوج شيءٍ في الضِّلَع أعلاه، فإنْ ذَهَبْتَ تُقيمُه كسَرْته، وإنْ تركته لَم يزلْ أعْوَج، فاستوصوا بالنِّساء»؛ متَّفق عليه عن أبي هريرة، وفي رواية لمسلم: «إنَّ المرأةَ خُلِقتْ مِنْ ضلعٍ، لن تستقيمَ لك على طريقةٍ، فإنْ استمتعتَ بها استمتعتَ بها وبها عِوج، وإن ذهبتَ تُقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها»، قال: «إنَّ المرأة خلِقَتْ مِن ضلعٍ، وإنك إنْ تردْ إقامة الضلَع تكسرها، فدارها تَعِشْ بها»؛ وصححه الألباني.

رزقنا الله وجميع المسلمين السعادةَ الزوجيةَ.

  • 18
  • 3
  • 2,120

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً