التغلب على الفشل

منذ 2020-09-01
السؤال:

أنا إنسانة طموح جدًّا جدًّا، وهذا ما سبَّب لي مشاكلَ عدَّة، شخصية مثالية لا ترغب إلاَّ في الكمال، تبدأ قصَّتي من تغيير تخصصي الجامعي؛ حيثُ إنَّ الأهل الكِرام أرغموني على تخصصٍ لا أحبُّه، فغيَّرته وانتقلت إلى التخصص الشَّرعي الذي أحبه حبًّا لا يضاهيه حب، فبنيت لنفسي آمالاً كبارًا، ولم أرغب في النقصان في شيء؛ مما سبَّب لي قلقًا تطوَّر إلى مرض نفسي، لم أستطعْ معه إكمال دراستي إلاَّ بعد الذهاب إلى طبيبٍ نفسي، وبفضل الله استطعت التخرُّج بسلام، وتوقَّعت أنَّ المرض انتهى بمجرد تخرُّجي؛ لأنَّ ليس هناك ما يدعو إلى القلق، ولكن اكتشفت أنني محبطة لا أستطيع الإقدام على أيِّ شيء أردت أن أعمل فلم أستطع؛ لأنَّني أخشى الفشل.

 لا تقولوا لي: لا بُدَّ من الفشل، فهو الطريق إلى النجاح، أعرف ذلك، ولكن أخاف منه؛ لأنني أخشى أن أزداد تحطيمًا، أردت تحقيق حلمي الأكبر، وهو إكمالُ دراستي والحصول على الماجستير، لم أستطع؛ لأنني أخاف ألاَّ أستطيع، فالقلقُ مُستمر، وأنا أتعجب من نفسي؛ لأنَّني حافظة للقرآن، وطالبة للعلم الشرعي، وأقوم بإلقاء دروس في العقيدة والتوكُّل، ولا أستطيع، هل فقدت الثِّقة بنفسي أو ماذا؟

أريد حلاًّ؛ لكي أكسر هذه القيود التي تكبلني، وتمنعُني من تحقيق أهدافي وطموحاتي، والله المستعان.

الإجابة:

أختي العزيزة،

الخوف من الفشل Fear of failure - Atychiphobia: هو ما يحول بينك وبين النجاح والتقدُّم، وهو من أكثر المخاوف المرتبطة بعدم الثقة بالنفس، ومع الأسف لا يفرز الخوف من الفشل إلاَّ مزيدًا من الفشل، وخيبات الأمل، وصَدَق طلحة بن حزم الأموي حين قال:
 

لاَ تَكُونَنَّ لِلأُمُورِ  هَيُوبًا        فَإِلَى خَيْبَةٍ يَصِيرُ الْهَيُوبُ


تقولين: "لا تقولوا لي: لا بدَّ من الفشل، فهو الطريق إلى النجاح، أعرف ذلك، ولكن أخاف منه؛ لأنني أخشى أن أزداد تحطيمًا".

ومن قال لكِ: إنَّ عليكِ أن تفشلي أولاً؛ لتصلي إلى النَّجاح؟! ربَّما تنجحين من المرَّة الأولى، فإنْ لم تنجحي، فمن الثانية أو الثالثة، أو حتَّى العاشرة، المهم في القضية بَذْل المحاولة في النَّجاح، فالطُّموح ليس مُجرد حُلم جميل؛ بل عمل دؤوب، وكما يقول ألفرد نوبل: "أسوأ من الفاشل مَن لا يُحاول النجاح"، وهذا ما تفعلينه الآن بنفسك، وليتكِ كنتِ كأبي القاسم الشابي، وهو يقول:
 

إِذَا  مَا  طَمَحْتُ  إِلَى  غَايَةٍ        لَبِسْتُ الْمُنَى وَنَسِيتُ الْحَذَرْ
وَمَنْ لاَ يُحِبُّ صُعُودَ الْجِبَالِ        يَعِشْ أَبَدَ الدَّهْرِ  بَيْنَ  الْحُفَرْ


ما دُمتِ تُريدين القِمَّة، فلابُدَّ من صعود الجبل، وإلاَّ فاهنئي بالعيش بين الحفر، ولا تتذمَّري ساعتئذٍ.

حين امتدح الله - عزَّ وجل - المؤمنين بالفلاح والنَّجاح، قال في وصفهم: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ} [المؤمنون: 1 - 5]، لاحظي أنَّ الفلاح مرتبطٌ بالعمل؛ بل بعدة أعمال، وليس مُجرَّد مشاعر وطموحات زائفة.

رجل مُؤمن؛ يعني: رجل محافظ على الصَّلاة، ومعرض عن اللغو، وفاعل للزكاة... إلخ، إنها سلسلة طويلة من الأعمال، وليست سلسلة طويلة من الأماني والأحلام.

تقولين عن نفسك: "طموحة جدًّا جدًّا"، فأين بلغتْ حدودُ طموحاتك؟ الطُّموح الحقيقي هو الطُّموح الذي نحلم به، ثُمَّ نسعى للوصول إليه؛ كطُموح عمر بن عبدالعزيز مثلاً، وهو يقول: "إنَّ لي نفسًا توَّاقة، تَمنَّتِ الإمارة فنالتها، وتَمنَّت الخلافة فنالتها، وأنا الآن أتوق للجنَّة، وأرجو أن أنالها"، وما عدا ذلك فأرى – والمعذرة إذْ أقول ذلك - أن تَصفي نفسَك بأنَّكِ "حالمة جدًّا جدًّا"، لا "طموحة جدًّا جدًّا":

وَلَمْ  أَجِــدِ  الْإِنْسَانَ  إِلاَّ   ابْنَ   سَعْيِهِ   ***     فَمَنْ كَانَ أَسْعَى كَانَ بِالْمَجْدِ أَجْدَرَا
وَبِالْهِمَّةِ  الْعَلْيَاءِ   يَرْقَى   إِلَى   الْعُلَى   ***     فَمَنْ  كَـانَ  أَرْقَى  هِمَّةً  كَانَ  أَظْهَرَا


يا عزيزتي، أنتِ لا تريدين أن تتألمي، هذا كلُّ ما في الأمر؛ لكنَّك لم تتعلمي بعدُ أن: "لا شيء يصيِّرنا عظماء مثل الألم العظيم"، كما يقول أحمدُ أمين، فلماذا تحرمين نفسك الكثير من الخير العظيم؛ خشيةً على نفسك من أن يَخدِشَها ألَمٌ صغير، قد يُنسى في أيِّ ساعة، وقد يكون مِفْصلاً مُهمًّا في تاريخ حياتكِ؟!
أتريدين البقاء في مكانك؟ إذًا؛ تَحمَّلي تبعات اختيارك.
أم تريدين التحرُّك؟ فهذا قرارك.

أتريدين حلاًّ؟ الحلُّ موجود بداخل تلافيف دماغك، فانفضي عن عقلِك الأفكار السطحيَّة الساذجة حول الفشل، بكُلِّ أغبرتها التي تلوث تفكيرك؛ لتكشفي عن أفكار شجاعة تسيِّرك قُدمًا إلى الأمام، وتذكَّري: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد: 11].

ما تحتاجينه لتنجحي هو قُوَّة الإرادة، وإرادة النجاح على وجه التحديد؛ فقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز»؛ (رواه مسلم).

أمَّا القيود التي تشعرين بأنَّها تكبلك، فهي قيودٌ وهمية، وإلاَّ كيف استطعتِ حفظ القرآن، وطلب العلم، وتدريس العقيدة؟! أين ذهبتْ تلك الإرادة؟!

لعلَّه الإهمال، كما يقول العقاد: "ما الإرادة إلاَّ كالسيف يُصدِئه الإهمال، ويشحذه الضَّرب والنِّزال".

صدِّقيني: أنت تمتلكين الإرادة والاستعداد؛ لكنَّكِ لا تُؤدِّين ما عليك، ويُؤسِفُني أن أقول لكِ: كم الأمر معيب بحق! وَصَدَقَ المتنبي حين قال:

وَلَمْ أَرَ فِي عُيُوبِ النَّاسِ شَيْئًا   ***   كَنَقْصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ


فما الذي ينقصك أنتِ: عقلٌ، أم يدان، أم ساقان، أم عينان، أم أذنان؟! 
أعرف أطفالاً حُرِموا من نِعَم كثيرة؛ لكنَّهم امتلكوا إرادةَ النَّجاح، فتغلَّبوا على الكثير من الصُّعُوبات والمشكلات والعراقيل، وهم أطفال، وفَوق ذلك من أصحاب الحاجات الخاصَّة، لكن أنتِ، ما عُذرُكِ أمام الله؟!

ثُمَّ إنَّ هذا القرار يجب أن ينبع من داخلك، فتحركي تبعًا لذلك، ثم سلمي الأمر لله، وآمِني بقضائه وقدره؛ فعن جابر بن عبدالله، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُؤمن عبدٌ حتى يؤمن بالقَدَرِ خيره وشره، وحتَّى يعلم أن ما أصابه لم يكُن ليُخطئه، وأنَّ ما أخطأه لم يكُن ليُصيبه»؛ رواه التِّرمذي.

واهتمي بثلاثة أمور أساسيَّة في سبيل التغلُّب على الخوف من الفشل:
1- لا تُقارني نفسَك بمن هو أفضل وأعلى وأكثر تميُّزًا ونجاحًا منكِ.
2- توقَّفي عن إسقاط مَخاوفك على النَّاس، وإساءة الظن بهم وبنظرتهم إليك.
3- استعدِّي للعمل الذي تُريدين القيام به استعدادًا تامًّا، يرفع من ثقتك بنفسك.
وللمزيد اقرئي كتاب "صناعة النجاح"، تأليف: فيصل عمر باشراحيل، وطارق محمد السويدان، من منشورات دار الأندلس الخضراء.


ثُم على افتراض أنَّكِ فشلتِ، فأين المُشكلة؟!

ألَم يقلْ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلم -: «وإنْ أصابَك شيءٌ، فلا تقل: لو أنِّي فعلت، كان كذا وكذا، ولكن قل: قَدَرُ الله، وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان»؛ رواه مسلم؟!


لقد وضعت سارة ليتفينوف - مُؤلفة كتاب "خطة الثقة" - ثلاثَ نقاطٍ للتَّعامُل مع خوف الفشل، وهي كما تقول:
"1- تعلم من الماضي:
هل يُمكنك أن تتذكر وقتًا في الماضي نجحت في التغلُّب على خوفك، أو قادك الفشل إلى النجاح؟ عُد بنفسك إلى الوراء، وأعد مُعايشة التجربة بالتفصيل، من أين واتتك الشَّجاعة؟ كيف تعاملت مع الفشل؟ إذًا؛ يُمكنك تحديد الموضع الذي أحسست فيه بمشاعر الشَّجاعة من جسدك، فضَعْ يدك عليه، واشعر بها ثانية.

2- طوِّع خبراتك السابقة:
إذا استطعت أن تعودَ إلى خبرة سابقة، فتخيلْ كيف ستتعامل الآن مع موقف مُشابه، فهذا سيُقوِّيك، وستطرأ لك أفكار جديدة، واعلمْ أنَّ هذه القوة جزء منك؛ جزء يُمكنك الوصول إليه إذا سمحت لنفسك.

3- انظر إلى كل فشل على أنَّه فرصة للتعلم:
إنَّ الفشل إنَّما يكون سلبيًّا إذا جعلتك التجربةُ تتوقف عن المحاولة وتستسلم، ففي كلِّ مرة تفشل يُمكنك أن تتعلم شيئًا من فشلك يُقربُك من النجاح مستقبلاً"؛ انتهى.


وختامًا:

سأل الممكنُ المستحيلَ: أين تقيم؟ فأجابه: في أحلام العاجز، فهل بلغتِ من العَجْز أنِ استوطن المستحيلُ أحلامَك؟! من حسن حَظِّك - يا أخيَّتي - أنَّكِ بعيدة عن عينيَّ، وإلاَّ كنت قد وبَّختك أكثر بكثير من هذه القَسوة التي تجدينها الآن بين سُطوري؛ ذلك لأنِّي أرغب في أن تكوني بالفعل كاسمك، فكوني كذلك، فقط كوني، وستكونين بإذنِ الله كما تريدين وتتمنِّين.

وفَّقك الله ورعاك، دمتِ بألف خير.

  • 8
  • 0
  • 958

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً