حكم إرجاع نفقات فترة الخطبة بعد الفسخ

منذ 2021-01-27

فتاة كانت مخطوبة مدة سنة من شاب يعيش في دولة أخرى، وكان يعتبرها زوجته، ويرسل لها نفقة شهرية طوال هذه السنة، ثم حدث إعراض من جانبها وفسخت الخِطبة، وتسأل: هل يجب عليها إعادة المال الذي كان يرسله؟

السؤال:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، جزاكم الله خيرًا على مجهوداتكم ومساعداتكم.

 

مشكلتي أنني كنت مخطوبة مدة سنة لشاب أجنبي يعيش في دولة أوروبية، بعدما تقدم لخِطبتي، تمت قراءة الفاتحة بوجود وليِّ أمري وشهيدين، فأصبح يعتبرني زوجته أمام الله، فكان يرسل لي نفقة شهرية طول هذه السنة، مع العلم أنه لم تكن بيننا خلوة، ولم نكن نلتقي، فهو يعيش في بلد آخر، لكن حدثت بعض المشاكل، ولم يتم عقد الزواج بسببي، ولم أستطع أن أسافر معه للعَيْشِ في بلده الأصلي، سؤالي هو: هل يجب عليَّ أن أُعيدَ له المال الذي كان يرسله لي بالكامل؟

 

الإجابة:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

الهدايا التي يُقدِّمها الخاطب لمخطوبته في فترة الخِطبة، وحكمها عند عدم إتمام الزواج محلُّ خلاف بين العلماء، وأَوْجَهُ الأقوال أن الخاطب له الهدايا غير المستهلكة كالذهب والأموال ونحوها؛ لأنها هدايا مسببة أو هدايا ثواب، لغرض بعينه وهو الزواج، فهي في حُكْمِ الهِبَةِ، والهبة شرعًا يجوز استردادها إذا كانت قائمة بذاتها ووصفها، فيجوز للخاطب أن يطالبَ باسترداد الشبكة والهدايا غير المستهلكة، وليس من حقه الهدايا المستهلكة؛ كالأكل والشرب والثياب التي استُخدمت ونحوه، فلا تُستَرَدُّ بذاتها أو قِيمتِها؛ لأن الاستهلاك مانعٌ من موانع الرجوع في الهبة شرعًا، وهو مذهب الحنفية، وعند المالكية والحنابلة إذا كان الخاطب سببَ الفسخ، فليس له استرداد أي شيء، وإذا كان الفسخ من طرفها، فله كل شيء، وعند الشافعية وفي أحد الأقوال عند الحنابلة يستردها في كلتا الحالتين.

 

قال ابن عابدين الحنفي: "وكذا يُسترَدُّ ما بعث هدية وهو قائم دون الهالك والمستهلك؛ لأنه في معنى الهبة"؛ [حاشية ابن عابدين: (3/ 153)].

 

وقال ابن تيمية معلِّقًا على قول الإمام أحمد الذي حكاه الأثرم: "وهذا المنصوص جارٍ على أصول المذهب الموافق لأصول الشريعة، وهو أن كل من أُهدِيَ له شيءٌ أو وُهب له شيء بسببٍ يثبُتُ بثبوته، ويزول بزواله"؛ [المستدرك على مجموع الفتاوى: (4/ 198)].

 

وقال القليوبي الشافعي: "دفع الخاطب بنفسه، أو وكيله، أو وليه، شيئًا من مأكول، أو مشروب، أو نقد، أو ملبوس لمخطوبته، أو وليها، ثم حصل إعراض من الجانبين أو من أحدهما، أو موت لهما أو لأحدهما، رجع الدافع أو وارثه بجميع ما دفعه، إن كان قبل العقد مطلقًا"؛ [حاشيتا قليوبي وعميرة: (3/ 216)].

 

وقال المرداوي الحنبلي: "فإن كان دفع إليها بعض المهر، ولم يدخل بها يردُّوه، وإن كان أهدى هدية يردونها عليه، قال القاضي في الجامع: لأن في هذه الحال يدل على أنه وهب بشرط بقاء العقد، فإذا زال، مَلَكَ الرجوع؛ كالهبة بشرط الثواب"؛ [الإنصاف: (8/ 296)].

 

والذي ترجَّح لدينا قول الحنفية، وعليه: فواجبٌ عليكِ إرجاع المال الذي أخذتِهِ في صورة راتب شهري منه، إلا إذا تسامح هو فيه ولم يأخذه؛ فيكون من مكارم الأخلاق، ومن الإحسان الذي يحبه الله؛ قال تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237]، وينبغي ألَّا تُغفَلَ آداب الإسلام عند الاختلاف، وألَّا ننسى الفضل بيننا، كما نوجِّه السائلة إلى عدم التساهل مع الخاطب، فالخِطبة ما هي إلا وعد بالزواج، فلا تُحِلُّ حرامًا في التعامل مع الخاطب، والله أعلم، وصلى الله على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.


 

  • 0
  • 0
  • 281

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً