حديث النفس بالكفر

منذ 2021-06-14

شابٌّ لم يستطع الحصول على وظيفته، في حين نجح فيها أصحاب الوساطات والرِّشا، فأثَّر ذلك في نفسيته، وأصبح إنسانًا آخرَ، وبدأت تُطارده أحاديث نفس كفرية، وأصبح يمارس العادة، ويسأل: ما الحل؟

السؤال:

السلام عليكم.

بدأت معاناتي إذ لم أتمكَّنْ من الحصول على وظيفتي، ونجح أصحاب الوساطة والرُّشا؛ فقد مرِضتُ وأصبحت سريع الانفعال، والذي زاد الأمر سوءًا أن عائلتي تارة يقولون لي إنه قضاء وقَدَرٌ، وأخرى يقولون بأنني فاشل، وثالثة يقولون بأن الناجحين دفعوا الرشوة، وأنا على يقينٍ من ذلك، لأن صديقي نجح وصارحني بذلك؛ ومن ثَمَّ انعزلتُ وأصبحتُ أمارس العادة السرية، وأبكي قهرًا وحزنًا، ولا أفعل شيئًا سوى حديث النفس كثيرًا (لمدة ثلاث ساعات دون نطق)،

فجأة بدأت أتساءل: لماذا لم يساعدني الله عز وجل؟ فبدأ يأتيني وسواسٌ في العقيدة، وقد تجاوزتُه بصعوبة، وجاءتني أحاديثُ كفريةٌ لم أستطع التحكم فيها، واسترسلتُ معها حتى تكاثرتْ عليَّ لجهلي بالأحكام، وكنت أبكي بسببها، وبدأت أحافظ على الصلاة في وقتها، وحفظت الأذكار، وإني إذا مارست العادة السرية، يأتيني حديث نفس كفريٍّ، وأتوب منها ثم أعود، وهكذا الأغاني أتوب ثم أعود، وكلما نظرتُ إلى فتاة يأتيني سبٌّ كفريٌّ في نفسي، ومن الوساوس التي جاءتني وسواسُ الدعاء على أمي، أصبح الدِّينُ ثقيلًا عليَّ، لم أعُدْ أشعر بألم المعصية، أحاول أن أتذكر النار والقبر، لكن بلا جدوى؛ فقد تبلَّدت مشاعري، وأشعر أن الله لن يغفر لي بسبب إصراري على المعصية، لم أقطع الصلاة، ومع ذلك أُصلِّي بصعوبة، أدعو الله أن يشفيَني ولكن بلا جدوى، فهل الله لا يحبني ولا يريد لي الهداية؟ أصبحت إنسانًا آخرَ، وازدادت شهوتي الجنسية كثيرًا، ما الحل؟ وجزاكم الله خيرًا.

الإجابة:

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أما بعد:

أولًا: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

 

مرحبًا بك أيها الأخ الفاضل، ونسأل الله لنا ولك الهداية والتوفيق، والسداد والتيسير.

 

ثانيًا: علاج هذا التشتت الذي تعاني منه بدايتُهُ من تعزيز ثقتك بنفسك والقيام بما تُحسِن، وعدم جَلْدِ ذاتك، وتصدير صوت الفشل وعدم النجاح، فهذا الخوف السلبي محبطٌ وقاتل للأمل، ثم إن الفاشل ليس من لم يُوفَّق، وإنما الفاشل من يقع فيه ثم يرتضيه، فالفشل هو العجز عن المحاولة والسعي، وقد يتكرر الفشل مرات عديدة، وليس من الخطأ أن يشعر الشخص بالألم عندما يُخفِقُ في تحقيق أهدافه، لكن الخطأ قد يكمن في الخطوات التالية من السلوك، فهذا الألم هو نقطة انطلاقٍ لمحاولة جديدة، فهل سيكون هذا السلوك سلوكًا إيجابيًّا بَنَّاءً أو سلوكًا سلبيًّا هدَّامًا؟

 

ويرتبط فشل الإنسان عادةً بعواملَ عديدة، تساهم في إيجاده وتطويره، منها ما يكون له علاقة بالشخص نفسه، ومنها ما يتعلق بالبيئة الخارجية المحيطة به؛ ومن هذه العوامل ما يلي:

 

1- عدم الثقة بالنفس.

 

2- سوء التخطيط وعدم الدقة في وضع النظام.

 

3- إسقاط الفشل على الآخرين، فالإنسان الفاشل يبحث دومًا عن شمَّاعة يُعلِّق عليها أخطاءه، هربًا من إلقاء اللوم والتقصير على نفسه.

 

4- رفض تكرار التجربة.

 

5- كثرة الانتقادات واللَّوم.

 

6- الانغماس في أكثر من مهمة، وعدم تحديد الهدف.

 

7- ضعف الوازع الديني؛ فالفشل مثلُهُ مثلُ أيِّ مصيبة في الحياة، فهو من الابتلاءات التي يختبر بها الله سبحانه وتعالى عباده الصالحين، وإنَّ فَشَلَ اليوم لا ينفي النجاح غدًا؛ والله عز وجل يقول: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ} [آل عمران: 140].

 

8- ضعف الهمة.

 

9- الإحساس المفرط بالفشل.

 

ثالثًا: لا بدَّ أن تصبِرَ نفسك على طاعة الله، فتؤدي الفرائض في أوقاتها، وتبحث عن المُعين لك لأدائها من صاحبٍ ناصح أمين، أو القراءة في فضلها لتجديد عزمك وتقوية إيمانك.

 

رابعًا: بعد تحسين أداء الفرائض والعبادات، ابتعدْ عن المعاصي والذنوب، فمَن أحْسَنَ الصبرَ على الفرائض، سَهُل عليه الصبر عن المعاصي.

 

خامسًا: بعد إتقان الصبر على الطاعة، والصبر عن المعصية، ستجد في قلبك عزمًا على الصبر على أقدار الله المؤلمة؛ فأنواع الصبر الثلاثة متلازمة لا يقوى المرء على واحدة منها إلا بالتي قبلها.

 

سادسًا: دَعْكَ من كلام الناس، وفتِّشْ في نفسك عن شيء تُحسنه وامْتَهِنْهُ، واجعله بابًا من أبواب الرزق، فعليك بمشاورة مَن تَثِقُ في دينه وعلمه وحُبِّه لك، واستَعِنْ برأيه.

 

سابعًا: لا تُغْفِلِ الدعاء وطلبَ العَون والتوفيق من الله.

 

ثامنًا: إذا فعلتَ هذا، فسوف تجد خِفَّةً في نفسك، وراحة في قبول الطاعة، ورضًا بقضاء الله وقدره.

 

تاسعًا: وأخيرًا بعض النقاط الهامة التي تدعم وصولك إلى النجاح:

1- لا تجعل نفسك أسيرًا لخبرات الفشل السابقة.

 

2- لا تخالِطِ الأشخاص الذين تغلُبُ عليهم النظرة التشاؤمية للحياة.

 

3- ضع أهدافًا تتناسب مع قدراتك، وما لديك من مقومات لتحقيق هذه الأهداف.

 

4- تمتع بأوقاتك بعيدًا عن العمل، فلا بد أن يكون هناك توازنٌ بين مختلِف جوانب الحياة التي تعيشها.

 

5- لا بد وأن تكون القناعة هي مِفتاح حياتك، فالوصول للكمال صعبٌ.

 

6- ركِّز على الوقت المتاح لك، والأموال التي توجد بحَوزتك، وابتعد عمَّن يُشتِّت أفكارك.

 

7- لا تخشَ الابتكار والإبداع؛ وتأمل دائمًا قول الله عز وجل: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

 

هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

  • 0
  • 0
  • 252

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً