تلقيح صناعي محرم

منذ 2008-10-19
السؤال: قام زوجان بعملية تلقيح صناعي لأسباب تتعلق بعدم قدرة الزوجة على الحمل، وتمّت زراعة البويضة الملقحة في رحم امرأة أخرى، وعمر الجنين الآن خمسة أشهر، وقد علما أن هذا العملية حرام شرعاً، فما العمل؟ وهل يجوز إجهاض الجنين وإن لم يجهض فلمن ينسب المولود؟ أفيدونا.
الإجابة: هذه المسألة من نتائج الحضارة الغربية غير الأخلاقية، وتسمى مسألة تأجير الأرحام، واتفق فقهاء العصر على تحريمها إلا من شذ فرأى جوازها قياساً على الرضاع أو غير ذلك من الشبهات الزائفة، وقد بُحثت هذه المسألة من المجامع العلمية والفقهية المعتبرة، وكذا بحثها عدد كبير من العلماء المعاصرين، وصدرت قرارات وفتاوى عديدة بتحريمها، فمن ذلك قرار مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي حيث جاء في قراره ما يلي:

.. بعد استعراضه لموضوع التلقيح الصناعي (أطفال الأنابيب)، وذلك بالاطلاع على البحوث المقدمة والاستماع لشرح الخبراء والأطباء وبعد التداول تبين للمجلس:
أن طرق التلقيح الصناعي المعروفة في هذه الأيام هي سبع:
- الأولى: أن يجري تلقيح بين نطفة مأخوذة من زوج وبويضة مأخوذة من امرأة ليست زوجته ثم تزرع اللقيحة في رحم زوجته.
- الثانية: أن يجري التلقيح بين نطفة رجل غير الزوج وبويضة الزوجة ثم تزرع تلك اللقيحة في رحم الزوجة.
- الثالثة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم امرأة متطوعة بحملها.
- الرابعة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي رجل أجنبي وبويضة امرأة أجنبية وتزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
- الخامسة: أن يجري تلقيح خارجي بين بذرتي زوجين ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة الأخرى.
- السادسة: أن تؤخذ نطفة من زوج وبويضة من زوجته ويتم التلقيح خارجياً ثم تزرع اللقيحة في رحم الزوجة.
- لسابعة: أن تؤخذ بذرة الزوج وتحقن في الموضع المناسب من مهبل زوجته أو رحمها تلقيحاً داخلياً.

وقرر: أن الطرق الخمسة الأولى كلها محرمة شرعاً وممنوعة منعاً باتاً لذاتها أو لما يترتب عليها من اختلاط الأنساب وضياع الأمومة وغير ذلك من المحاذير الشرعية.

أما الطريقان السادس والسابع فقد رأى مجلس المجمع أنه لا حرج من اللجوء إليهما عند الحاجة مع التأكيد على ضرورة أخذ كل الاحتياطيات اللازمة (مجلة مجمع الفقه الإسلامي عدد3، ج 1، ص 515-516).

.. وكذلك صدر قرار عن المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بتحريم الصورة المذكورة في السؤال في دورته المنعقدة عام 1405ه.

.. إذا تقرر ذلك فإن تأجير الأرحام من المحرمات لما يترتب عليه من اختلاط الأنساب، ولأن المرأة الحاضنة أدخلت إلى بدنها بويضة ملقحة من مني أجنبي عليها وهذا محرم، ويمكن تشبيه هذا العمل بالزنا وإن لم يكن زنا حقيقة فهو حرام لا شك فيه، وينسب الولد في هذه الحالة للمرأة التي حملت به (المرأة الحاضنة) هذا إذا كانت المرأة الحاضنة غير ذات زوج، وأما إن كانت ذات زوج فينسب الولد إلى زوج المرأة الحاضنة، ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه، قالت: فلما كان عام الفتح أخذه سعد بن أبي وقاص، وقال: ابن أخي قد عهد إليّ فيه، فقام عبد بن زمعة فقال: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فتساوقا -أي اختصما- إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال سعد: يا رسول الله ابن أخي كان قد عهد إليّ فيه، فقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هو لك يا عبد بن زمعة"، ثم قال النبي صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، ثم قال لسودة بنت زمعة: زوج النبي صلى الله عليه وسلم: "احتجبي منه" لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها حتى لقي الله (رواه البخاري ومسلم)، قال الإمام النووي: "قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"، قال العلماء: العاهر الزاني، وعهر زنى وعهرت زنت والعهر الزنا، ومعنى الحجر أي له الخيبة ولا حق له في الولد ...، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: "الولد للفراش"، فمعناه أنه إذا كان للرجل زوجة أو مملوكة صارت فراشاً له فأتت بولد لمدة الإمكان منه لحقه الولد وصار ولداً يجري بينهما التوارث وغيره من أحكام الولادة، سواء كان موافقاً له في الشبه أم مخالفاً" (شرح النووي على صحيح مسلم 4/31).

وقال الحافظ ابن عبد البر: "فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله عز وجل على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم في أن العاهر لا يلحق به في الإسلام ولد يدعيه من الزنا، وأن الولد للفراش على كل حال، والفراش النكاح أو ملك اليمين لا غير... أجمع العلماء -لا خلاف بينهم فيما علمته- أنه لا يلحق بأحد ولد يستلحقه إلا من نكاح أو ملك يمين فإذا كان نكاح أو ملك فالولد للفراش على كل حال" (الاستذكار 2/167-168).

ولا يجوز أن ينسب الولد للرجل صاحب المني ما دام أن المرأة الحاضنة ذات زوج، وأما إذا كانت المرأة الحاضنة لا زوج لها فيصح إلحاق الولد بالرجل صاحب المني إن أقر به وادّعاه على قول جماعة من أهل العلم.

.. وأما إجهاض هذا الجنين بعد أن صار عمره خمسة أشهر فهو من المحرمات، لأن الأصل هو تحريم الإجهاض بعد مضي مئة وعشرين يوماً على الحمل باتفاق أهل العلم، لأن الروح تنفخ في الجنين عند مرور تلك المدة على رأي كثير من العلماء، لما ثبت في حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال: "إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكاً فيأمر بأربع: برزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ثم ينفخ فيه الروح ..." (رواه البخاري). ويستثنى من هذا الحكم حالة واحدة فقط، وهي إذا ثبت بتقرير لجنة من الأطباء الثقات أهل الاختصاص أن استمرار الحمل يشكل خطراً مؤكداً على حياة الأم فحينئذ يجوز إسقاط الحمل.

.. وقد جاء في قرار المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ما يلي: "إذا كان الحمل قد بلغ مائة وعشرين يوماً لا يجوز إسقاطه ولو كان التشخيص الطبي يفيد أنه مشوه الخلقة إلا إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من الأطباء المختصين أن بقاء الحمل فيه خطر مؤكد على حياة الأم فعندئذ يجوز إسقاطه سواء كان مشوهاً أم لا دفعاً لأعظم الضررين" (قرارات المجمع الفقهي الإسلامي ص 123).

.. وجاء في فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية ما يلي: "من الضروريات الخمس التي دلّت عليها نصوص الكتاب والسنة دلالة قاطعة على وجوب المحافظة عليها وأجمعت الأمة على لزوم مراعاتها: حفظ نفس الإنسان، وهو في المرتبة الثانية بعد حفظ الدين، سواء كانت النفس حملاً قد نفخ فيه الروح أم كانت مولودة ...، فلا يجوز الاعتداء عليها بإجهاض إن كانت حملاً قد نفخ فيه الروح أو بإعطائها أدوية تقضي على حياتها وتجهز عليها، طلباً لراحتها أو راحة من يعولها أو تخليصاً للمجتمع من أرباب الآفات والعاهات والمشوهين والعاطلين، أو غير ذلك مما يدفع بالناس إلى التخلص لعموم قوله تعالى: {ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ}، وذلك لأن الجنين بعد نفخ الروح أصبح نفساً، يجب صيانتها والمحافظة عليها".

.. وخلاصة الأمر أن تأجير الأرحام من المحرمات، وأنه شبيه بالزنا، وأن الولد ينسب للمرأة الحاضنة إن لم تكن ذات زوج، فإن كانت ذات زوج فينسب إلى زوجها، فإن ادّعاه الرجل صاحب النطفة ولم ينازعه أحد في ذلك ألحق به.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقلاً عن موقع فضيلة الشيخ حفظه الله.

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.

  • 3
  • 0
  • 19,521

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً