التحريم بالرضاع

منذ 2012-12-28
السؤال:

ما عدد الرَّضعات التي يَحرُم بِها ما يَحرم منَ النَّسب؟ وهَلْ جَميع أبناءِ الأم المرضعة يَحرم على الطفل الرضيع؟ وما حكم إخوة الطفل الرَّضيع من تِلْكَ الأمّ وأولادِها من حيثُ جوازُ النّكاح وعدمُه؟

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فقدِ اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ الحُرمة بالرَّضاعة تَثبتُ بِخَمس رضَعاتٍ فصاعدًا، واختلفوا فيما دونَها؛

فذهب الجُمهور من الحنفيّة والمالكيّة ورواية عن أحْمد وكثيرٍ من الصّحابة والتَّابعين إلى أنّ قليلَ الرّضاع وكثيره يحرِّم، وإنْ كان مصّةً واحدةً، فالشّرط في التَّحريم أن يصِلَ اللَّبن إلى جوف الطِّفل مهما كان قدرُه، واحتجّوا بأنَّ التَّحريم ثابتٌ بصِدْق اسم الرَّضاع؛ فحيثُ وُجِدَ وُجِدَ حُكْمُه، قال تعالى: {وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ} [النساء: 23].

وذهَبَ الشّافعيَّةُ والحنابلة في القَول الصَّحيح عندهم إلى أنَّ ما دون خَمس رضعاتٍ لا يؤثِّر في التَّحريم، وهو مرويٌّ عن عائشة وابْنِ مسعودٍ وابْنِ الزُّبير رضي الله عنهم وقال به عطاءٌ وطاوس، واستدلُّوا بِما ورد عن عائشةَ، قالت: "كان فيما أُنْزِل من القُرآن عشر رضَعاتٍ معلوماتٍ يُحرِّمن ثُمّ نُسِخْن بِخمسٍ معلوماتٍ، فتُوُفِّي رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهنّ فيما يُقْرَأ من القُرآن"، وهذا الحديثُ نصٌّ في المسألة.

واحتجُّوا ثانيًا بِما رواهُ أبو داود في قصَّة سهلة بنت سُهيل حين "أمَرَها النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أن تُرْضِعَ سالِمًا من أجل أن تحرم عليه، فأرضَعَتْه خَمس رضَعات فكان بِمَنزلة ولدِها من الرَّضاعة، فبِذَلِك كانت عائشة رضِي الله عنها تأمرُ بناتِ أخواتِها وبنات إخْوتِها أن يُرْضِعنَ مَن أحبَّت عائشةُ أن يراها ويدْخُل عليها وإن كان كبيرًا خَمسَ رضَعات"، ورواه البخاري ومسلم مُختصرًا.

وهو يدلُّ على أنَّ المستقِرّ عند الصحابة أنَّ التحَريم لا يثبت إلا بخَمسُ رضعات.

واحتجّوا أيضًا بقوله صلى الله عليه وسلَّم: "لا تُحَرّم المصَّة ولا المصَّتان" (رواه مسلم).

ويشتَرَطُ في الرَّضَعات الخَمس الشِّبَع، والمُعْتَمد في الرَّضعة هو العُرف، ومِمَّا عدَّه الفقهاء رضعةً أن يلتَقِمَ الصبيُّ الثَّديَ ويَمتصّه ثم يتركه مُعْرِضًا عنه.

قال في "المغني" في باب الرضاع: "المسألة الأُولى: أنَّ الَّذي يتعلَّق به التَّحريم خَمس رضَعاتٍ فصاعدًا، هذا الصَّحيح من المذْهب، قال: وهو مذهبُ الشَّافعي ... والمرجِع في معرفة الرَّضعة إلى العُرف؛ لأنَّ الشَّرع ورَد بِها مطلقًا ولم يُحَدّدها بزَمَنٍ ولا مِقدار، فدلَّ ذلك على أنَّه ردَّهم إلى العُرف، فإذا ارتضع الصَّبيّ وقَطَع قطعًا بيِّنًا باختِياره كان ذلك رضعةً، فإنْ عادَ كانَتِ رضعة أخرى، فأمَّا إن قطع لضِيق نَفس أو للانْتِقال من ثَديٍ أو لِشيء يُلْهِيه أو قَطَعَتْ عليه المُرضعة فإنْ لَم يَعُدْ قريبًا فهِي رضعة، وإن عاد في الحال ففيهِ الوجهان، أحدُهُما أنَّ الأوَّل رضعةٌ فإذا عاد فهي رضعةٌ أُخرى، قال: والوجهُ الثَّاني: أنَّ جَميع ذلك رضعةٌ، وهو قول الشَّافعيّ" انتهى. وهذا القولُ هو الرَّاجح لقوة دليله.

أما ما يَحرم على الرَّضيع فيحرم عليه أولادُ المرضعة ويكونون بِمنزلة الإخوة من النَّسب في جَواز النَّظر والخلوة والسفر وحُرمة النِّكاح؛ ففي الصحيحَيْنِ عنِ ابن عبَّاس رضي الله عنهما قال: قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم في بنت حمزة: "لا تَحِلُّ لي، يَحرم من الرَّضاع ما يَحرم من النَّسب، هي بِنْتُ أخي من الرَّضاعة"، وفيهما عن عائشةَ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان عندها، وأنَّها سَمِعَتْ صوتَ إنسانٍ يستأْذِنُ في بيت حفصةَ، فقلتُ: يا رسول الله، هذا رجل يستأذن في بيتك. فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: "أراه فلانًا -لعَمّ حفصة من الرضاعة- الرَّضاعة تُحَرّم ما تُحَرّم الولادة".

قال الحافظ ابنُ حجر في "الفتح": "هو بالإجماع فيما يتعلَّق بتحريم النّكاح وتوابعه، وانتشار الحُرمة بين الرَّضيع وأولاد المرضعة وتنزيلهم منزِلة الأقارب في جواز النَّظر والخلوة والمسافرة".

وقال القرطبي في "المفهم": "إنَّ الرَّضاع ينشرُ الحرمةَ بين الرضيع والمرضعة، وزوجها أي صاحب اللَّبن، أو سيّدها، فإذا أرضعت المرأةُ صبيًّا حُرِّمت عليه؛ لأنَّها أمّه، وأمُّها؛ لأنَّها جدَّته، وأختها؛ لأنَّها خالته، وبنتها لأنَّها أخته. وكذلك بنت صاحب اللبن؛ لأنَّها أخته، وأمّه؛ لأنّها جدته، وأخته لأنَّها عمته، وهكذا.

غير أنَّ التَّحريم لا يتعدَّى الرضيع إلى أحدٍ من قرابته؛ فليس أخته من الرَّضاعة أختًا لأخيه، ولا بنتًا لأبيه، إذْ لا رضاع بينهم. وحكمةُ ما ذكرناه: أنَّ الشَّرع اعتَبَر في التحريم ما ينفصِل من أجزاء المرأة وهو اللَّبن، ويتصل بالرضيع فيغتذي به فتصير أجزاؤها أجزاءه، فينتشر التَّحريم بينهما، واعتَبَر في حقِّ صاحب اللبن: أنَّ وجود اللَّبن بسبب مائه وغذائه. فأمَّا قرابات الرَّضيع فليسَ بينَهم ولا بين المرضعة، ولا زوجها نسبٌ، ولا سببٌ. فَتَدَبَّرْه".

ولمزيد فائدة تراجع فتوى: "حكم الزواج بأخت الأخ من الرضاعة"،، والله أعلم. 

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 1
  • 2
  • 68,076

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً