الضوابط الشرعية للتعامل مع أموال الأيتام

منذ 2013-04-29
السؤال:

أنا وصي على أيتام ولهم أموال فما هي حدود التعامل مع أموالهم؟

الإجابة:

اليتيم في الناس من قِبل الأب، وفي البهائم من قِبل الأم، ولا يقال لمن فقد الأم من الناس يتيم، كما قال ابن السكيت من أهل اللغة، واليتيم عند الفقهاء هو من مات أبوه وهو دون البلوغ. وقد ورد في الحديث عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يتم بعد احتلام" (رواه الطبراني في الكبير وقال الهيثمي رجاله ثقات مجمع الزوائد4/266. وصححه العلامة الألباني في إرواء الغليل 5/79).

وقد تضافرت النصوص من كتاب الله عز وجل ومن سنة النبي صلى الله عليه وسلم على وجوب العناية باليتيم والإحسان إليه، والمحافظة على أمواله، وبينت عِظم أجر كافل اليتيم، فمن ذلك قوله تعالى: {وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ...} [النساء: 36]. وقال تعالى:{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ} [البقرة: 83]. وقال تعالى:{وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10]. قال الفخر الرازي في تفسيره للآية السابقة: "واعلم أنه تعالى وإن ذكر الأكل، فالمراد به التصرف لأن أكل مال اليتيم كما يحرم، فكذا سائر التصرفات المهلكة لتلك الأموال محرمة، والدليل عليه أن في المال ما لا يصح أن يؤكل، فثبت أن المراد منه التصرف، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع لأجله التصرف" (تفسير الرازي 5/44). وقال تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]. وقال تعالى: {فأما اليتيم فلا تقهر} [الضحى: 9].

وثبت في الحديث عن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما" (رواه البخاري)، قال الحافظ ابن حجر في شرح الحديث: "قال ابن بطال: حقٌ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك". ثم قال الحافظ ابن حجر: "قال شيخنا في شرح الترمذي: لعل الحكمة في كون كافل اليتيم يشبه في دخول الجنة أو شبهت منزلته في الجنة بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم أو منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، لكون النبي صلى الله عليه وسلم شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم، فيكون كافلاً لهم ومعلمًا ومرشدًا، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه، ويرشده ويعلمه ويحسن أدبه، فظهرت مناسبة ذلك". (فتح الباري 10/536-537). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ضم يتيمًا بين مسلمين في طعامه وشرابه حتى يستغني عنه وجبت له الجنة" (رواه أبو يعلى والطبراني وأحمد مختصرًا بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري. وقال العلامة الألباني صحيح لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/676).

وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: "أتى النبيَ صلى الله عليه وسلم رجلٌ يشكو قسوة قلبه؟ قال: أتحب أن يلين قلبك وتدرك حاجتك؟ ارحم اليتيم وامسح رأسه وأطعمه من طعامك يلن قلبك وتدرك حاجتك" (رواه الطبراني وقال العلامة الألباني حسن لغيره. انظر صحيح الترغيب والترهيب 2/676). وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم الذي لا يفتر وكالصائم لا يفطر" (رواه البخاري ومسلم)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله، وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" (رواه البخاري ومسلم). وغير ذلك من الأحاديث.

إذا تقرر هذا فإن "القاعدة العامة في عقود الوصي وتصرفاته: أن الوصي مقيد في تصرفه بالنظر والمصلحة لمن في وصايته، وعلى هذا لا يكون للوصي سلطة مباشرة التصرفات الضارة ضررًا محضًا كالهبة، أو التصدق، أو البيع والشراء بغبن فاحش، فإذا باشر الوصي تصرفًا من هذه التصرفات كان تصرفه باطلاً، لا يقبل الإجازة من أحدٍ، ويكون له سلطة مباشرة التصرفات النافعة نفعًا محضًا، كقبول الهبة والصدقة والوصية والوقف، والكفالة للمال. ومثل هذا: التصرفات الدائرة بين النفع والضرر، كالبيع والشراء والإجارة والاستئجار والقسمة والشركة، فإن للوصي أن يباشرها، إلا إذا ترتب عليها ضرر ظاهر، فإنها لا تكون صحيحة" (الموسوعة الفقهية الكويتية 7/213).

وهذه أهم الضوابط الشرعية للتعامل مع أموال الأيتام: أولاً: الإنفاق على الأيتام من أموالهم بالمعروف ولا بد من "الالتزام بالأولويات الإسلامية التي تخص اليتامى، أي الإنفاق على الضروريات أولاً ثم يلي ذلك الإنفاق على الحاجيات, ولا يجوز الإنفاق على الكماليات إلاّ بعد تلبية والوفاء بالضروريات والحاجيات" (انظر الضوابط الشرعية لإدارة صندوق أموال اليتامى د. حسين شحاتة ص 2). ويشمل ذلك قضاء حاجاتهم كالطعام والكساء والمسكن والعلاج والتعليم ونحوها، وإذا وسَّع عليهم في الأعياد فلا حرج، قال الإمام مالك رحمه الله: "وليوسع عليهم ولا يضيق، وربما قال: أن يشتري لهم بعض ما يُلهيهم به وذلك مما يُطَيِّب به نفوسهم" (مواهب الجليل شرح مختصر خليل عن الإنترنت).

ثانيًا: ويجب أن يكون "الإنفاق في مجال الحلال الطيب الذي يعود على اليتامى بالمنافع المعتبرة شرعًا حسب الظروف والأحوال. وتجنب الإسراف والتبذير في أموال اليتامى لأن ذلك محرم شرعًا ولا يعود عليهم بالنفع والخير" (الضوابط الشرعية لإدارة صندوق أموال اليتامى د. حسين شحاتة ص2).

ثالثًا:إذا كانت أموال الأيتام زائدة عن نفقتهم فللوصي استثمار أموال اليتامى وتنميتها، حتى لا تفنى في النفقات أو في الزكاة كما سيأتي، ومما يدل على جواز استثمار أموال اليتامى ما ورد في بعض الأحاديث والآثار عن الصحابة رضي الله عنهم ومنها:
1. ما روي أنه عليه الصلاة والسلام قال: "ألا من ولي يتيماً وله مال فليتجر له بماله ولا يتركه حتى تأكله الصدقة" (رواه الترمذي وضعفه).
2. ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة" (رواه الشافعي في الأم والبيهقي في السنن الكبرى، وقال البيهقي وهذا مرسل إلا أن الشافعي رحمه الله أكده بالاستدلال بالخبر الأول، وبما روي عن الصحابة رضي الله عنهم. سنن البيهقي 4/107).
3. ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة" (وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر رضي الله عنه). 4. ما رواه مالك في الموطأ أنه بلغه عن عمر بن الخطاب أنه قال: "اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة".
5. وما رواه البيهقي بسنده أن عمر بن الخطاب قال لرجل أن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له. وغير ذلك من الأحاديث. وهنالك وسائل كثيرة لاستثمار أموال الأيتام بطرق شرعية كالمرابحة والاستصناع والمضاربة والمشاركة المتناقصة والمساقاة والمزارعة وغيرها.
ثالثًا: الأصل في مال الأيتام هو الحرمة في حق الوصي إلا إذا كان محتاجًا فإنه يأكل بالمعروف، والأولى في حقه أن يتعفف عن مال اليتم، ويدل على ذلك قوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ} [الأنعام: 152]. وقال الله تعالى في حق أموال الأيتام:{وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 6]. وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء: 10].

رابعًا: للوصي أن يبيع ويشتري للأيتام ما دام البيع والشراء ضمن ما تعارف عليه الناس في البيع والشراء.

خامسًا: لا يجوز للوصي باتفاق الفقهاء أن يهب شيئًا من مال اليتيم، ولا أن يتصدق منه، ولا أن يوصي بشيءٍ منه؛ لأنها من التصرفات الضارة ضررًا محضًا، فلا يملكها الوصي، ولا الولي ولو كان أبًا. ولا يجوز للوصي أن يقرض مال اليتيم لغيره، ولا أن يقترضه لنفسه؛ لما في إقراضه من تعطيل المال عن الاستثمار، والوصي مأمور بتنميته بقدر الإمكان. (الموسوعة الفقهية الكويتية 7/213 فما بعدها بتصرف).

سادسًا: يجب إيداع أموال الأيتام في المصارف الإسلامية إذا وجدت، ولا يجوز إيداعها في البنوك الربوية إلا لحفظها عند عدم وجود المصارف الإسلامية.

سابعاً: أداء زكاة مال اليتيم كما هو القول الراجح من أقوال الفقهاء، لأن الزكاة حق من حقوق المال، فتجب في كل مال تحققت فيه شروط الوجوب، بغض النظر عن مالك المال، فلا ينظر فيها إلى المالك فتجب الزكاة في مال البالغ وغير البالغ.

وخلاصة الأمر أن دين الإسلام اهتم اهتمامًا كبيرًا بالأيتام عامة وبأموالهم خاصة، فالآيات والأحاديث حضت الأوصياء على الإحسان للأيتام ورعايتهم وتربيتهم، ودعت إلى استثمار أموال الأيتام لمصلحتهم، وعلى من تولى مال يتيمٍ أن يضبط تصرفاته بضوابط الشرع المذكورة أعلاه، والواجب على وصي اليتيم هو عمل الصالح لليتيم، وليحذر من قربان مال اليتيم بغير التي هي أحسن. وليعلم أن التعرض لأموال الأيتام بسوء من السبع الموبقات المهلكات.

تاريخ الفتوى: 25-6-2010.

حسام الدين عفانه

دكتوراه فقه وأصول بتقدير جيد جداً، من كلية الشريعة جامعة أم القرى بالسعودية سنة 1985م.

  • 9
  • 0
  • 105,695

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً