تغطية المرأة وجهها وكفيها

منذ 2014-04-27
السؤال:

ما حكم تغطية المرأة وجهها وكفيها، لا سيما إذا كانت ذات جمال؟ 

الإجابة:

النساء مأمورات بستر أبدانهن إذا كن بحضرة الرجال الأجانب، ومن ذلك الوجه والكفان، ويدل على ذلك الكتاب والسنة، أما أدلة الكتاب فهي:

الأول: قال تعالى: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}، وجه الدلالة: أن المرأة إذا كانت مأمورة بسدل الخمار من رأسها على جيبها لتستر صدرها - فهي مأمورة بدلالة التضمن أن تستر ما بين الرأس والصدر، وهو الوجه والرقبة، ويبين ذلك ما رواه البخاري في (الصحيح) عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "رحم الله نساء المهاجرين الأول، لما نزل: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} شققن آزرهن فاختمرن بها"، والخمار: ما تغطي به المرأة رأسها. والجيب: موضع القطع من الدرع والقميص، وهو من الأمام كما تدل عليه الآية لا من الخلف.

الثاني: قوله تعالى: {وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللاتِي لاَ يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}، قال الراغب في (مفرداته) وابن فارس في (معجمه): (القاعدة: لمن قعدت عن الحيض والتزوج)، وقال البغوي في (تفسيره): قال ربيعة الرأي: هن العجز اللاتي إذا سألن الرجال استقذروهن، فأما من كانت فيها بقية من جمال وهي محل الشهوة فلا تدخل في هذه الآية. انتهى كلام البغوي .

وأما التبرج فهو: إظهار المرأة زينتها ومحاسنها للرجال الأجانب. ذكر ذلك صاحب (اللسان) و(القاموس) وغيرهما.

وجه الدلالة من الآية: أنها دلت بمنطوقها على أن الله تعالى رخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها، فلا تلقي عليها جلبابًا، ولا تحتجب؛ لزوال المفسدة الموجودة في غيرها، ولكن إذا تسترت كالشابات فهو أفضل لها. قال البغوي: (وإن يستعففن فلا يلقين الحجاب والرداء خير لهن)، وقال أبو حيان: (وإن يستعففن عن وضع الثياب ويتسترن كالشابات فهو أفضل لهن)، انتهى كلام أبي حيان.

ومفهوم المخالفة لهذه الآية أن من لم تيأس من النكاح وهي التي قد بقي فيها بقية من جمال وشهوة للرجال فليست من القواعد، ولا يجوز لها وضع شيء من ثيابها عند الرجال الأجانب؛ لأن افتتانهم بها وافتتانها بهم غير مأمون.

الثالث: قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} وجه الدلالة من الآية: ما رواه ابن جرير  وابن أبي حاتم وابن مردويه في تفاسيرهم بأسانيدهم عن ابن عباس رضي الله عنهما، وعبيدة السلماني رضي الله عنه قالا: أمر الله نساء المسلمين إذا خرجن من بيوتهن في حاجة أن يغطين وجوههن من فوق رؤوسهن بالجلابيب، ويبين عينًا واحدة. انتهى كلامهما.

وقوله: عليهن أي: على وجوههن؛ لأن الذي كان يبدو في الجاهلية منهن هو الوجه، والجلابيب: جمع جلباب الخمار، وقال ابن منظور في (لسان العرب) نقلاً عن ابن السكيت، أنه قال: قالت العامرية: الجلباب: الخمار. وقال ابن الأعرابي : الجلباب: الإزار. قال الأزهري: معنى قول ابن الأعرابي: (الجلباب: الإزار) لم يرد به إزار الحقو، ولكنه أراد إزارًا يشتمل به فيجلل جميع البدن. وكذلك إزار الليل، وهو كثوب السابغ الذي يشتمل به النائم فيغطي جسده كله. انتهى كلام ابن منظور.

وفي (صحيح مسلم) عن أم عطية رضي الله عنها قالت: «يا رسول الله: إحدانا لا يكون لها جلباب، قال: لتلبسها أختها جلبابها». وقال أبو حيان في (تفسيره): (كان دأب الجاهلية أن تخرج الحرة والأمة وهن مكشوفتي الوجه في درع وخمار، وكان الزناة يتعرضون لهن إذا خرجن بالليل لقضاء حوائجهن في النخيل والغيطان للإماء، وربما تعرضوا للحرة بعلة الأمة، يقولون: حسبناها أمة؛ فأمرن أن يخالفن بزيهن عن زي الإماء بلبس الأردية والملاحف وستر الرؤوس والوجوه؛ ليحتشمن ويهبن فلا يطمع فيهن). ونكتفي بذكر هذا القدر من أدلة الكتاب.

وأما الأدلة من السنة فهي:

الأول: عن أم سلمة رضي الله عنها  أنها كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ميمونة، قالت: بينما نحن عندها أقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال صلى الله عليه وسلم: «احتجبا منه، فقلت: يا رسول الله: أليس هو رجل أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟ قال صلى الله عليه وسلم: أفعمياوان أنتما؟ ألستما تبصرانه؟»   (رواه الترمذي وغيره، وقال بعد إخراجه: حديث حسن صحيح، وقال ابن حجر : إسناده قوي).

الثاني: عن أنس رضي الله عنه قال: «قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا رسول الله: إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؛ فأنزل الله آية الحجاب» (رواه الشيخان).

الثالث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات، فإذا حاذونا سدلت إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها، فإذا جاوزونا كشفناه» (رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وغيرهم).

الرابع: عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه «أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فأمرها أن تحج وتختمر» الحديث.

وجه الدلالة من هذا الدليل: أنه صلى الله عليه وسلم أمرها بالاختمار؛ لأن النذر لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصية، والنساء مأمورات بالاختمار والاستتار.

ولشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله كلام جامع في هذه المسألة، نذكره بنصه، قال رحمه الله تعالى:

(والسلف قد تنازعوا في الزينة الظاهرة على قولين: فقال ابن مسعود ومن وافقه: هي الثياب، وقال ابن عباس ومن وافقه: هي ما في الوجه واليدين، مثل: الكحل والخاتم...، قال: وحقيقة الأمر أن الله جعل الزينة زينتين: زينة ظاهرة. وزينة غير ظاهرة. وجوز لها إبداء زينتها الظاهرة لغير الزوج وذوي المحارم...، وأما الباطنة فلا تبديها إلا للزوج وذوي المحارم، وكانوا قبل أن تنزل آية الحجاب كان النساء يخرجن بلا جلباب، يرى الرجال وجهها ويديها، وكان إذ ذاك يجوز لها أن تظهر الوجه والكفين، وكان حينئذ يجوز النظر إليها؛ لأنه يجوز لها إظهاره، ثم لما أنزل الله عز وجل آية الحجاب بقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ} حجب النساء عن الرجال، وكان ذلك لما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش فأرخى الستر النبي صلى الله عليه وسلم ومنع النساء أن ينظرن، ولما اصطفى صفية بنت حيي بعد ذلك عام خيبر قالوا: إن حجبها فهي من أمهات المؤمنين، وإلا فهي مما ملكت يمينه. فحجبها، فلما أمر الله أن لا يسألن إلا من وراء حجاب، وأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يدنين عليهن من جلابيبهن، والجلباب هو: الملاءة، وهو الذي يسميه ابن مسعود وغيره: الرداء، وتسميه العامة الإزار، وهو الإزار الكبير الذي يغطي رأسها وسائر بدنها، وقد حكى عبيدة وغيره أنها تدنيه من فوق رأسها فلا تظهر إلا عينها، ومن جنسه النقاب، فكن النساء ينتقبن، وفي الصحيح أن المحرمة لا تنتقب، ولا تلبس القفازين، فإذا كن مأمورات بالجلباب لئلا يعرفن، وهو: ستر الوجه أو ستر الوجه بالنقاب - كان (حينئذ) الوجه واليدان من الزينة التي أمرت أن لا تظهرها للأجانب، فما بقي يحل للأجانب النظر إلا إلى الثياب الظاهرة، فابن مسعود ذكر آخر الأمرين وابن عباس ذكر أول الأمرين)  . انتهى كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

والمقصود: أن الأدلة التي جاءت دالة على جواز كشف الوجه واليدين كانت دالة على الأصل قبل نزول الأدلة القرآنية ومجيء الأدلة من السنة الدالة على الأمر بالتستر، وبهذا يعلم أن الأدلة الدالة على وجوب ستر الوجه واليدين ناسخة لما دل على جواز ذلك.

نعم، إذا دعت حاجة إلى أن المرأة تكشف وجهها ويديها جاز ذلك، ومن أمثلة ما يدعو إلى الكشف: أن تدعو الحاجة كمعالجة مرض في وجهها أو يديها، وكذلك إذا أريد الشهادة عليها ولا تعرف إلا بكشف وجهها كُشِف ونحو ذلك.

وبالله التوفيق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. 

اللجنة الدائمة

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

  • 7
  • 1
  • 58,949

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً