التصدق بنسبة محددة من الراتب

منذ 2015-03-30
السؤال:

بسم الله الرحمن الرَّحيم، والصَّلاة والسَّلام على نبيِّه الكريم.

أمَّا بعد، لقد تعوَّدتُ في آخِر كلِّ شهر أن أتصدَّق بـ 2.5 بالمائة من المدْخول؛ لأنِّي قرأت هذا للشَّيخ الشَّعراوي - رحِمه الله - لكن أحد الإخْوة هنا في كندا قال لي: إنَّ هذا العمل ليْس من السنَّة في شيء، ولستَ ملزمًا به، ولا يعني هذا أنِّي لا أتصدَّق خلال الشَّهر، فماذا أعمل إذا كان ليس من السنَّة؟

مع العلم أنِّي لا أتذكَّر: هل نذرت أو حلفت أن أقوم بهذا العمل إلى أن ألقى الله؟

جزاكم الله عنِّي كلَّ خير، والسَّلام.

الإجابة:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصَحْبِه ومَن والاه، أمَّا بعدُ:

فالصَّدقة مشروعة بالكتاب والسنَّة وإجماع الأمَّة، والآياتُ والأحاديث في مدْح المتصدِّقين أكْثر من أن تُحصى؛ قال الله - عزَّ وجلَّ -: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ} إلى أن قال - سبحانه -: {وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ}، ثم ذكر – سبحانه – أجْرَهم فقال: {أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 35]، وقال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [البقرة: 245]، وقال: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ} [البقرة: 261]، وقال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ} [البقرة: 276]، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ} [الحديد: 18].

وقال النَّبيُّ - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
«إنَّه ما من رجُلٍ يتصدَّق من كسبٍ طيِّب إلاَّ أخذها الله - تعالى – بيمينِه، فيُرَبيها لأحدِكُم كما يربِّي أحدُكُم فلوَّه حتى تكون مثل الجبل»؛ متَّفق عليه، وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -: «كلُّ امرئٍ في ظلِّ صدقتِه يوْم القيامة»؛ صحَّحه الألباني في "صحيح الجامع".

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
«والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كما يُطْفئُ المَاءُ النَّارَ»؛ رواه التِّرْمذي وقال: حديث حسن صحيح.

وقال - صلَّى الله عليه وسلَّم -:
«إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وتَدْفَعُ عَن مِيتَةِ السُّوء»؛ رواه الترمذي من حديث أنس - رضي الله عنْه.

ولا شكَّ أنَّ المداومة على العمل الصَّالح أفضلُ مِن فِعْلِه تارة وتركه تارة، وفي صحيح مسلم عن عائشة - رضي الله عنها -: "كان رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم - إذا عمِل عملاً أثبته"؛ أي: داوم عليه.

وسُئِلت عائشة - رضي الله عنْها - عن عمله - عليْه الصَّلاة والسَّلام - فقالت - رضي الله عنها -: "كان عمله ديمة"؛ متَّفق عليه.

وقال - صلى الله عليه وسلم -:
«أحبُّ العمل إلى الله أدومُه، وإن قلَّ»؛ رواه مسلم.

ومن ذلك المُداومة على إخراج صدقةٍ من الراتب الشهري، فهذا ليس فيه شيء مبتدع؛ بل إنَّ ذلك من أفضل الأعمال؛ لما فيه من دفع حاجة الفقراء، والتخلُّق بأخلاق الفُضَلاء الكرماء، وأنَّ ذلك من أسْباب انشِراح الصَّدْر، وتكثير الأجْر، وسعة الرِّزْق.

ولكن إن كنت تُخْرج تلك النسبة
2.5% على أنَّها زكاة واجبة على الرَّاتب، أو أنَّ ذلك حقّ المال، أو أن ما تفعله هو سنَّة مؤقتة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الراتب الشهري، أو ما شابه - فلا شكَّ أنَّ هذا لم يثبتْ فيه دليل خاص.

ثم إنَّ كان مقصود ذلك الأخ لكَ بقوله: "إنَّ العمل ليس من السنَّة في شيء، ولست ملزمًا به": أنَّ الشَّرع لم يُوجِبْ عليْك تلك النِّسبة كزكاة للرَّاتب، فكلامُه صحيح، فأنت لست ملزمًا بهذا؛ ولكن إن أخْرَجْتها من باب إلْزام النَّفس بالصَّدقة المستحبَّة والمداومة عليْها، فهو عمل صالح، إن شاء الله.

أمَّا كوْنك غير متذكِّر إن كان هذا العمل بناءً على نذر أو يمين، فلا شيءَ عليك - إن شاء الله تعالى - لأنَّ الأصل العدم حتَّى تتيقَّن،،

والله أعلم.

خالد عبد المنعم الرفاعي

يعمل مفتيًا ومستشارًا شرعيًّا بموقع الألوكة، وموقع طريق الإسلام

  • 17
  • 0
  • 101,535

هل تود تلقي التنبيهات من موقع طريق الاسلام؟

نعم أقرر لاحقاً