بعض العضات .. لاهل حب العضات . . . . . . . . حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، ...
منذ 2021-07-26
بعض العضات .. لاهل حب العضات
.
.
.
.
.
.
.
.
حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا [ص:55] عبد الله، أنبأنا حريث بن السائب، أخبرنا الحسن، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مزبلة في طريق المدينة فقال: من سره أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها فلينظر إلى هذه المزبلة ثم قال: ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح ذبابة ما أعطى كافراً منها شيئاً.
وقال بعض الحكماء من الشعراء:
أما مررت بساحات معطلة ... فيها المزابل كانت قبل مغشية
أما نظرت إلى الدنيا وزينتها ... بزخرف من غرور اللهو موشية
أعظم بحمقة نفس لا تكون بما ... تغنى به من صروف الدهر مغنية
لله در أذى عين تقر بها ... وإنها لعلى التنغيص مبينة
قال أبو بكر: أملى علي عبد الرحمن بن صالح هذه الرسالة:
أما بعد: عافانا الله وإياك من شر دار قد أدبرت، والنفوس عليها قد ولهت، ورزقت وإياك خير دار قد أقبلت، والقلوب عنها قد غلفت، وكأن المعمور من هذه الدار قد يرحل عن أهله، وكأن المغفول عنه من تلك الدار قد أباح بأهله فغنم غانم، وندم نادم، واستقبل الخلق خلد لا يزول، وحكم عليهم جبار لا يجور، فهنالك فضع الهموم، وصغر ما دونه من متاع هذا الغرور، والسلام.
وقال بعض الحكماء: أما يكفي أهل الدنيا ما يعانون من كثرة الفجائع، وتتابع المصائب في المال والأخوان، والنقص في القوى والأبدان.
.
وقال بعض الحكماء: يا معشر أبناء الدنيا لكم في الظاهر اسم الغنى، ولأهل التقلل نفس هذا المعنى، حرمتم التفكه بما حوته أيديكم لفادح التعب، وعوضتم منه خوف نزول الفجائع به، وارتقاب وصول الآفات إليه، خدعتم ومالك المقادير عن حظكم، دأبت الدنيا أن تسوغكم حلاوتها، وما استدر لكم من ضرعها حتى وكلتم بطلب سواه لتمتعكم مما حصل منها لكم، وتصدكم عن التمتع به بأشغالكم، بمستأنف تحمدون فيه أنفسكم مما يعز مطلبه عليكم، وتبذلون فيه راحتكم، فإن وصلتم إليه لحق بالأول من المدخر، وأنشأت لكم وطراً في غرة كذلك أنتم وهي ما صحبتموها بالرغبة منكم فيها.
.
قال بعض الحكماء: وذكر الدنيا فقال: كم من يوم لي قد صحت سماؤه، وامتد علي ظله، تمدني ساعاته بالمنى، وتضحك لي عن كل ما أهوى في رفاهة ناضرة، وحال تدفق بالغبطة، أرتع في ظل قريب، مجناه، ينبسق إلي فيه الموافقة، وتلاحظني تباشير الأحبة، تجوز معاني الوصف، وينحسر عنه الطرف، حتى إذا اتصلت أسباب سروره بي، نفست الدنيا به علي فسعت بالتشتيت إلى الفتنة، وبالنقص إلى مدته، فكسفت بمحبته كسوفاً، وأرهقت نضرتنا الفراق، وقطعتنا فرقاً في الآفاق بعد إذ كنا كالأعضاء المؤتلفة، والأغصان الندية المنقطعة، فأصبح ربعنا المألوف، قد محا أعلامه الزمان، وأبلت أسباب العهد به الأيام، فلقلبي وجوب عند ذكرهم، يكاد ينفطر جزعاً مما يعاين من فقدهم، ويقاسي من بعدهم، ونظراتي تطرد في الجفون من حرارات الكمد، وأوجاع كلوم لا تندمل، فما لي للمقام في مراتع الأشجان، ومرابض المنايا، وأوعية الرزايا.
.
حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، قال: قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره سنته، وسنته عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟ ! .
.
وحدثني محمد بن إيحاق، قال: قال بعض الحكماء: الأيام سهام، والناس أغراض، والدهر يرميك كل يوم بسهامه، ويستخدمك بلياليه، وأيامه، حتى تستغرق جميع أجزائك، فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك، وسرعة الليالي في بدنك، لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص، وما هي عليه من هدم ما بقي إلا استوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك، ولكن تدبير الله فوق الاعتبار، وبالسلو عن غوائل الدنيا، وجد طعم لذاها، وإنها لأمر من العلقم، إذا عجمها الحكيم، وأقل من كل شيء يسمى القليل، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ، نستوهب الله رشداً إلى الصواب.
.
حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، قال: قال بعض الحكماء: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله، ولا يحزن على فناء عمره، وعجبت ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه يشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة.
.
حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش قال: كتب بعض الحكماء إلى أخ له:
أما بعد: فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث، والسلام.
.
وبلغني عن بعض الحكماء، قال: من زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب في الدنيا حرمها.
.
وقرأت في كتاب داود بن رشيد قال بعض الحكماء: كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة.
.
حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن داود بن عبيد الله بن مسلم الحنفي قال: كان بعض الحكماء يقول في كلامه:
في كل حال تلقى الدنيا مختمرة متنكرة، حتى إذا هبطت دياراً لها، كشفت قناعها، وتحسرت، فانتصبها العاملون مثالاً لأنفسهم، فنظروا فيها بالعبر، وقطعوا قلوبهم كمداً خرج إليها بالفكر في الغير، أولئك الذين أنزلوا الدنيا حق منزلتها، فهم فيها أهل كلال ووصب، قد ذوبوا الأجساد، وأظمأوا الأكباد خوفاً، أن يحل بهم ما يحل بالهالكين قبلهم، الذين أناخت الدنيا في ديارهم، فأشعرتهم من طوارق مثلها، ما صاروا بذلك عبراً وحديثاً للباقين من بعدهم، فالقوم في مناجاة العزيز بالاستكانة له، والتذلل والتضرع إليه، والاستعاذة به من شر ما تهجم به الدنيا على أوليائها، والرغبة إليه في الخلاص من ذلك، لا يستكثرون له من أنفسهم طاعة، ولو ماتوا قياماً على الأعقاب متعبدين، ولا يستصغرون من أنفسهم إلى الدنيا من المعاصي لحظة، ولو كانوا أيام حياتهم عنها معرضين، ملأت الآخرة قلوبهم، فليس لأنفسهم عندهم في الدنيا راحة، أولئك الذين اتصلت قلوبهم بمحبة وصف سيدهم دار القرار، فعلقوا من الوصف بأوهام العقول، ما استطارت لذلك قلوبهم، وغشيت عن غيره أبصارهم، فعيشهم في الدنيا منغوص، وحظها منها عند أنفسهم [ص:157] منقوص، ينظرون إليها بعين الرهبة منها، فإذا ذكرت عندهم الآخرة جاءت الرغبة فطاشت عندها العقول.
قال: وكان يقول:
إن الدنيا كأس سكرات، أماتت شاربيها وهم أحياء، فعموا وهم يبصرون وصموا وهم يسمعون، وخرسوا وهم ينطقون.
قال: وكان يقول:
ليت الدنيا لم تخلق، وليتها إذا خلقت لم أخلق:
قال: وكان يقول:
تصرعنا ونثق بها، وترينا عبرها فنواريها عن أنفسنا، فيا عجباً كل العجب من زاهد فيك، وأنت ترغبين فيه، ويا عجباً كل العجب من ماقت لك، وأنت له محبة.
.
حدثنا روح بن عبد الرحمن، أخبرنا صالح بن عبد الكريم، قال: قال بعض الحكماء:
إنما نسلم من الدنيا فيها، فمن أخذ منها لها خرج منه، وحوسب عليه، ومن أخذ منها لغيرها قدم عليه، وأقام فيه.
.
وحدثني علي، قال: سئل بعض الحكماء عن الزهد فقال:
إن من أدنى الزهد أن يقعد أحدكم في منزله، فإن كان قعوده لله وإلا خرج، [ص:171] ويخرج فإن كان خروجه لله رضي، وإلا رجع، فإن كان رجوعه لله رضي وإلا ساح، ويخرج درهمه فإن كان إخراجه لله رضي وإلا حبسه، ويحبسه فإن كان حبسه لله رضي وإلا رمى به، ويتكلم فإن كان كلامه لله رضي وإلا سكت، ويسكت فإن كان سكوته لله رضي وإلا تكلم.
فقيل له: هذا صعب؟ فقال: هذا الطريق إلى الله عز وحل، وإلا فلا تتعبوا.
.
حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قال بعض الحكماء: أما بلوتم الدنيا فهل زالت تؤنبكم عسفاً، وتسوسكم خسفاً، في كل يوم لكم فيها شغل جديد، وحزن عتيد، إنما صدقتم الأمل فكذبكم، وأطعتم الهوى فأوبقكم، فكيف تفرون رحمكم الله من هذا الموت، الذي لا تدرون أن ما فيه أحق أن يكون عندكم، فهؤلاء لكم مفظعاً، أما قبله من تخوف بغتاتة التي لا تدرون في أي حالاتكم توافيكم، أما الذي ترون من أسبابه فما يعروكم من الانتقاص ضعفاً بعد قوة، وإخلاقاً بعد جدة، وهرماً بعد شباب، وسقماً بعد صحة في كل يوم يموت من أجسادكم ميت ينعي لكم أنفسكم، ويخبركم عن فنائكم، حتى يهجم عليكم بمرارة كأسه، وفظاعة مذاقه، فتصيروا رهائن الموت، وودائع الحفر إلى يوم الوقت المعلوم.
.
.
.
.
.
.
.
.
حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا [ص:55] عبد الله، أنبأنا حريث بن السائب، أخبرنا الحسن، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وسلم، على مزبلة في طريق المدينة فقال: من سره أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها فلينظر إلى هذه المزبلة ثم قال: ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح ذبابة ما أعطى كافراً منها شيئاً.
وقال بعض الحكماء من الشعراء:
أما مررت بساحات معطلة ... فيها المزابل كانت قبل مغشية
أما نظرت إلى الدنيا وزينتها ... بزخرف من غرور اللهو موشية
أعظم بحمقة نفس لا تكون بما ... تغنى به من صروف الدهر مغنية
لله در أذى عين تقر بها ... وإنها لعلى التنغيص مبينة
قال أبو بكر: أملى علي عبد الرحمن بن صالح هذه الرسالة:
أما بعد: عافانا الله وإياك من شر دار قد أدبرت، والنفوس عليها قد ولهت، ورزقت وإياك خير دار قد أقبلت، والقلوب عنها قد غلفت، وكأن المعمور من هذه الدار قد يرحل عن أهله، وكأن المغفول عنه من تلك الدار قد أباح بأهله فغنم غانم، وندم نادم، واستقبل الخلق خلد لا يزول، وحكم عليهم جبار لا يجور، فهنالك فضع الهموم، وصغر ما دونه من متاع هذا الغرور، والسلام.
وقال بعض الحكماء: أما يكفي أهل الدنيا ما يعانون من كثرة الفجائع، وتتابع المصائب في المال والأخوان، والنقص في القوى والأبدان.
.
وقال بعض الحكماء: يا معشر أبناء الدنيا لكم في الظاهر اسم الغنى، ولأهل التقلل نفس هذا المعنى، حرمتم التفكه بما حوته أيديكم لفادح التعب، وعوضتم منه خوف نزول الفجائع به، وارتقاب وصول الآفات إليه، خدعتم ومالك المقادير عن حظكم، دأبت الدنيا أن تسوغكم حلاوتها، وما استدر لكم من ضرعها حتى وكلتم بطلب سواه لتمتعكم مما حصل منها لكم، وتصدكم عن التمتع به بأشغالكم، بمستأنف تحمدون فيه أنفسكم مما يعز مطلبه عليكم، وتبذلون فيه راحتكم، فإن وصلتم إليه لحق بالأول من المدخر، وأنشأت لكم وطراً في غرة كذلك أنتم وهي ما صحبتموها بالرغبة منكم فيها.
.
قال بعض الحكماء: وذكر الدنيا فقال: كم من يوم لي قد صحت سماؤه، وامتد علي ظله، تمدني ساعاته بالمنى، وتضحك لي عن كل ما أهوى في رفاهة ناضرة، وحال تدفق بالغبطة، أرتع في ظل قريب، مجناه، ينبسق إلي فيه الموافقة، وتلاحظني تباشير الأحبة، تجوز معاني الوصف، وينحسر عنه الطرف، حتى إذا اتصلت أسباب سروره بي، نفست الدنيا به علي فسعت بالتشتيت إلى الفتنة، وبالنقص إلى مدته، فكسفت بمحبته كسوفاً، وأرهقت نضرتنا الفراق، وقطعتنا فرقاً في الآفاق بعد إذ كنا كالأعضاء المؤتلفة، والأغصان الندية المنقطعة، فأصبح ربعنا المألوف، قد محا أعلامه الزمان، وأبلت أسباب العهد به الأيام، فلقلبي وجوب عند ذكرهم، يكاد ينفطر جزعاً مما يعاين من فقدهم، ويقاسي من بعدهم، ونظراتي تطرد في الجفون من حرارات الكمد، وأوجاع كلوم لا تندمل، فما لي للمقام في مراتع الأشجان، ومرابض المنايا، وأوعية الرزايا.
.
حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، قال: قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره سنته، وسنته عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟ ! .
.
وحدثني محمد بن إيحاق، قال: قال بعض الحكماء: الأيام سهام، والناس أغراض، والدهر يرميك كل يوم بسهامه، ويستخدمك بلياليه، وأيامه، حتى تستغرق جميع أجزائك، فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك، وسرعة الليالي في بدنك، لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص، وما هي عليه من هدم ما بقي إلا استوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك، ولكن تدبير الله فوق الاعتبار، وبالسلو عن غوائل الدنيا، وجد طعم لذاها، وإنها لأمر من العلقم، إذا عجمها الحكيم، وأقل من كل شيء يسمى القليل، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ، نستوهب الله رشداً إلى الصواب.
.
حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، قال: قال بعض الحكماء: عجبت ممن يحزن على نقصان ماله، ولا يحزن على فناء عمره، وعجبت ممن الدنيا مولية عنه، والآخرة مقبلة إليه يشتغل بالمدبرة، ويعرض عن المقبلة.
.
حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش قال: كتب بعض الحكماء إلى أخ له:
أما بعد: فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث، والسلام.
.
وبلغني عن بعض الحكماء، قال: من زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب في الدنيا حرمها.
.
وقرأت في كتاب داود بن رشيد قال بعض الحكماء: كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة.
.
حدثني علي بن الحسن بن أبي مريم، عن داود بن عبيد الله بن مسلم الحنفي قال: كان بعض الحكماء يقول في كلامه:
في كل حال تلقى الدنيا مختمرة متنكرة، حتى إذا هبطت دياراً لها، كشفت قناعها، وتحسرت، فانتصبها العاملون مثالاً لأنفسهم، فنظروا فيها بالعبر، وقطعوا قلوبهم كمداً خرج إليها بالفكر في الغير، أولئك الذين أنزلوا الدنيا حق منزلتها، فهم فيها أهل كلال ووصب، قد ذوبوا الأجساد، وأظمأوا الأكباد خوفاً، أن يحل بهم ما يحل بالهالكين قبلهم، الذين أناخت الدنيا في ديارهم، فأشعرتهم من طوارق مثلها، ما صاروا بذلك عبراً وحديثاً للباقين من بعدهم، فالقوم في مناجاة العزيز بالاستكانة له، والتذلل والتضرع إليه، والاستعاذة به من شر ما تهجم به الدنيا على أوليائها، والرغبة إليه في الخلاص من ذلك، لا يستكثرون له من أنفسهم طاعة، ولو ماتوا قياماً على الأعقاب متعبدين، ولا يستصغرون من أنفسهم إلى الدنيا من المعاصي لحظة، ولو كانوا أيام حياتهم عنها معرضين، ملأت الآخرة قلوبهم، فليس لأنفسهم عندهم في الدنيا راحة، أولئك الذين اتصلت قلوبهم بمحبة وصف سيدهم دار القرار، فعلقوا من الوصف بأوهام العقول، ما استطارت لذلك قلوبهم، وغشيت عن غيره أبصارهم، فعيشهم في الدنيا منغوص، وحظها منها عند أنفسهم [ص:157] منقوص، ينظرون إليها بعين الرهبة منها، فإذا ذكرت عندهم الآخرة جاءت الرغبة فطاشت عندها العقول.
قال: وكان يقول:
إن الدنيا كأس سكرات، أماتت شاربيها وهم أحياء، فعموا وهم يبصرون وصموا وهم يسمعون، وخرسوا وهم ينطقون.
قال: وكان يقول:
ليت الدنيا لم تخلق، وليتها إذا خلقت لم أخلق:
قال: وكان يقول:
تصرعنا ونثق بها، وترينا عبرها فنواريها عن أنفسنا، فيا عجباً كل العجب من زاهد فيك، وأنت ترغبين فيه، ويا عجباً كل العجب من ماقت لك، وأنت له محبة.
.
حدثنا روح بن عبد الرحمن، أخبرنا صالح بن عبد الكريم، قال: قال بعض الحكماء:
إنما نسلم من الدنيا فيها، فمن أخذ منها لها خرج منه، وحوسب عليه، ومن أخذ منها لغيرها قدم عليه، وأقام فيه.
.
وحدثني علي، قال: سئل بعض الحكماء عن الزهد فقال:
إن من أدنى الزهد أن يقعد أحدكم في منزله، فإن كان قعوده لله وإلا خرج، [ص:171] ويخرج فإن كان خروجه لله رضي، وإلا رجع، فإن كان رجوعه لله رضي وإلا ساح، ويخرج درهمه فإن كان إخراجه لله رضي وإلا حبسه، ويحبسه فإن كان حبسه لله رضي وإلا رمى به، ويتكلم فإن كان كلامه لله رضي وإلا سكت، ويسكت فإن كان سكوته لله رضي وإلا تكلم.
فقيل له: هذا صعب؟ فقال: هذا الطريق إلى الله عز وحل، وإلا فلا تتعبوا.
.
حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قال بعض الحكماء: أما بلوتم الدنيا فهل زالت تؤنبكم عسفاً، وتسوسكم خسفاً، في كل يوم لكم فيها شغل جديد، وحزن عتيد، إنما صدقتم الأمل فكذبكم، وأطعتم الهوى فأوبقكم، فكيف تفرون رحمكم الله من هذا الموت، الذي لا تدرون أن ما فيه أحق أن يكون عندكم، فهؤلاء لكم مفظعاً، أما قبله من تخوف بغتاتة التي لا تدرون في أي حالاتكم توافيكم، أما الذي ترون من أسبابه فما يعروكم من الانتقاص ضعفاً بعد قوة، وإخلاقاً بعد جدة، وهرماً بعد شباب، وسقماً بعد صحة في كل يوم يموت من أجسادكم ميت ينعي لكم أنفسكم، ويخبركم عن فنائكم، حتى يهجم عليكم بمرارة كأسه، وفظاعة مذاقه، فتصيروا رهائن الموت، وودائع الحفر إلى يوم الوقت المعلوم.